الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



لقاء مع لوحة الأب الرحيم للفنان الهولندي رامبرانْت

لقاء مع لوحة الأب الرحيم للفنان الهولندي رامبرانْت

لقد تعودنا أن نقراء مجريات الاحداث وتفاصيلها بلغات عدة لا تتداخل في مابينها لنقل الحقيقة بقدر ما تتجاور وتتعاضد لنقل المعنى الواحدة من خلال أوجه عديدة  فتأتي الصورة التي تجسد الكلمة, واللون الذي يعكس الحرف.

هكذا كان للفن دورا كبيرا في ترجمة المعطيات والنصوص الكتابية الى صور انطباعية  ثم تدرجت الى مختلف انواع الفنون. ليس هذا حديث المنشاء إنما إستمد هيكليته وبنيته وتعابيره مع الكنيسة الناشئة فنرى على جدران الدياميز صورا وأشكلا تعبر عن النصوص الكتباية أو بالاحرى تنقل لنا البشارة من خلال رموز مكتوبة بشكل صورة وهكذا تاتي الأيقونة لتعكس من خلالها روحانية الفنان في تعامله مع المواد الفنية من اجل هدف يفوق مجرد كونه فن بقدر ماهو حدث ورمز. وهذا مادفعني الى أن أقف أمام عمل فني ليس بالمعاصر ولكنه يحمل في طياته بشارة الانجيل وقصة الأب الخالق المحب الرحوم مع شعبه انها لوحة "الاب الرحيم"  للفنان الهولندي رامبرنت Rembrandt ,الذي إنتهى من وضع اللمسات الأخيرة لهذه اللوحة سنة  1669وربما تكون هي أخر أعماله الفنية قبل وفاته .

هي لوحة كبيرة نسبيا حيث يبلغ ارتفاعها 224 سم , وعرضها 183 سم , معروضة الان في متحف ايرميتاجي  Ermitage  في مدينة القديس بطرس في روسيا Pietroburgo .

تمثل اللوحة عودة الابن الضال التي أوردها القديس لوقا على لسان المسيح (لو 15 :11 _32 ), لانستغرب كثيرا حينما يُظهرُ لنا رامبرنت إيمانه الشخصي من خلال فرشاته والوانه وموضوعه العمومي خاصة بعدما أن ندرك حقيقة معانته الطويلة والخسائر الكبيرة التي مني بها في حياته  واكثرها ألماً ووقعاً في نفسه هي وفاة زوجته المحبوبة Saakia وإبنه الوحيد Titus البالغ من العمر سبعة وعشرون عاماً.

موضوع لوحة رامبرنت هي العودة الروحية للمشاركة الانسانية, متمثلة بالاستقبال الابوي للابن الضال العائد. بساطة الالوان التي يزين بها شخوصه تسرق ابصارنا نحو اللوحة الوان محدودة جداً, مثل الماروني, الاسود, الابيض ولون اوكسيد الحديد المائي الطبيعي (الاحمر الصدِء). الالوان تعبر عن شخوصها, إنعكاس الضوء وكسوفه يعبر عن الفكرة والمعنى هكذا يلاحق رامبرنت سر الضوء طوال حياته, وبتداخل لوني منسجم تندمج فيه الالوان تارة  لتقتحم تارتة خرى صرختها الانفرادية هدوء اللون معبرة عن ما يجول في ذهن الفنان مبرزا نقاط القوة في لوحته كاستخدامه للون الابيض والاسود, مزيج من الضوء والظلمة اشارة الى بزوغ الفجر كلهيب لنور الشمس. بل يذهب الى اعمق من ذلك مشيرا الى نور القيامة الذي يقتحم عالم الموت الاظلم, هكذا ينعكس من مركز اللوح حيث الابن في حضن الاب نوراً, بينما تكاد تكون الخلفية غامقة يصعب علينا تميز شخوصها وانفعالاتهم عدا دهشة الترقب المقصودة التي ستشرحها لنا مواقفنا الحياتية حينما نكون جزءاً من لوحته هذه.

النعومة هي علامة رامبرنت المميزة والتي من الممكن أن تكون إشارة جيدة لفهم صورة الله. الله الذي دائما هو المبادر المنحني علينا بطيبة فائقة واعتناء شديد. وما علينا إلا العودة  للمسكن الابوي. تأملنا في هذه اللوحة يجعلنا نفكر في أيٍ من هذه الشخوص هو اقرب الى ذواتنا, اي شخصية هي أكثر قربا من مشاعرنا الان ؟

الباحث عن العائدين هو دائما اكثر وضوحا متمثلا بالحضور الهادئ لله الذي يخلقنا من جديد على مثال الحياة, مازجاً مع الحب الالوان, ومع فرشاته نعومة فائقة مع نشاط دائم كيما ينتشلنا من ظلمة الخوف الى نور الحب والقبول.

يعرف بانه سيعود قريبا

بالتحديق جيدا في اللوحة نلاحظ أكثر لتفاصيل تميزاً للمجموعة المركزية المتمثلة بالاب والابن الصغيرالذي هو في حالة من السلام التام, براحة وهدوء يلقي رأسه في حِضن ابيه, مثل سفينة وصلت الميناء بعد عاصفة هوجاء. أو مثل طفل نائم في حِضن امه, ملابس الابن عبارة عن خرق بالية ممزقة مثل أشرعة قارب تلاطمت عليه أمواج البحار الهوجاء, ملابس من اسمالٍ هرئة. الرأسٌ الغائص في حضن الأب حليق مثل المساجين أو المرضى. لحمه ممزق مجروح. نعلين مقطعين, دلالة على العبودية ( الاسياد فقط هم من ينتعلون الاحذية ).

في الوقت ذاته الاب المنحني بكل لطف ورقة على ابنه العائد, صورة الاب الشيخ, الأب الضال في البحث عن إبنه  منتظرا مترقبا عالماً انه سوف يعود, الحب الغير المشروط يعكسه رامبرنت في  الأب المتقدم في العمر, والحكمة المتجلية من الخبرة والمعاناة الشخصية  حفرت على وجه الاب اخاديد الانتظار والترقب. مغمض العينين حزين الملامح رغم فرح القلب الذي يشع نوره منعكسا على الوجه, والساقط بإتجاه الابن الصغير.

اليدان برقة ولطف على كتفي الابن ولكن ما الذي نلاحظه في هاتين اليدين؟

إختلاف واضح في البنية والنعومة والحجم إنها يد رجل واخرى يد امرأة , يخبرنا رمبررنت في الوقت ذاته يمثل هذا الاب الأم الحنونة, إنه يجمع بين رحمة الاب وحنان الأُم وهذا هو الله ذاته. فهل هنالك تشبيه أروع من هذا نقف أمامه متأملين.

الأخ الكبير

 في الخلفية نجد الابن الكبير مع مجموعة من الشخوص والذين يمثلوننا نحن المترقبين . مالذي يمكن أن نقوله نحن أمام هذا المشهد, هل سنقف مترقبين مندهشين مستغربين مرتابين لهذا الحب الكبير والرحمة الابوية الفائقة, متجبجبين داخل ثوبنا الفضفاض من جهة ومختبئين في ظلام قبورنا من جهة اخرى نخشى التقرب والوصول الى الضوء المنعكس من لقاء الحب هذا, عاكفين على التسائل ....ما الخبر , وكيف يمكن ان يكون هذا وبأي منطق ؟ متناسين حقيقة حب الله لنا كأبناء وليس كعبيد .

هكذا يريد رامبرنت ان يقدم لنا كل إنفعالاته وتاملاته من خلال الفرشة والون والظل والضوء. متسائل هو الآخر من أكون أنا بين هذه الشخصيات؟

 

الاخ ميسر بهنام المخلصي

عن موقع bakhdida.ca