الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

ملك من أنا

  مُلكُ مَن أنا؟

 الله أعطانا أعظم شيء ألا وهو الحياة. وللأسف كثيرون لايقدرون هذه العطية. لايعرفون مايفعلون بحياته، لا يعرفون كيف يستخدمون وقتهم. يستمرون في التذمر والتشكي من هذا ومن ذاك. فلتأمل في نص اليوم و نفكر بحياتنا و علاقتنا مع الله. 

 

في ذلك الزمان: ذَهَبَ الفِرِّيسيُّونَ وَتَشاوَروا لِيَصطادوا يسوع بِكَلِمَة. 

الأب داني قريو
السالزياني

ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: «يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَرِّفُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس. 

فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: «أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟» 
فشعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: «لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون!
أَروني نَقْدَ الجِزيَة». فَأَتَوهُ بِدينار.
فقالَ لَهم: «لِمَن هذه الصُّورَةُ وهذه الكِتابة؟»
قالوا: «لِقَيصَر». فقالَ لَهم: «أَدُّوا إِذًا لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله».

 نجد في هذا الفصل (متى 22) أن الاصطدام يستمر بين يسوع والسلطة السياسية والسلطة الدينية. هاتان السلطتان اللتان تبحثان عن أدنى سبب لإدانته. يقدم لنا متى هذه المقطوعة الانجيلية ويرينا هذين الفريقين المعاديين لبعضهما البعض، يتحدان في إصطياد أخطاء يسوع. الفريق الأول: هم الفريسيون الذين لا يطيقون الرومان، الغرباء، الوثيون... (أي هم أعداء الملك هيرودس. والفريق الثاني: هم الهيرودوسيين الذين يدعمون الملك هيرودس، والراضين عن الحكم الروماني للبلاد، فقد كان شغلهم الشاغل تحبيب الشعب في الحكومة والضغط عليه لدفع الجزية على عكس ماكان يلجأ الفريسيون إليه.

قرر الفريسيون إدانة يسوع، فحبكوا مؤمرة ضده، محاولين مهاجمته بمعلوماتهم في الكتب المقدسة والناموس، باستفتائه في إحجى القضايا، وبذلك يقدمون له إختباراً جديداً.

وكان قصدهم أن "يصطادوه منه كلمة" لقد رأوه حراً وجريئاً في التعبير عن آرائه، ولذلك تعشموا أن يجدوا فرصة ضده، إذا ما أجبروه على الكلام في نقطة حساسة. إنّ من أعوان الشرير أن يعثروا الإنسان في الكلام، في كلمة قيلت في غير مكانها، في كلمة محرفة، أو أسيء فهمها، في كلمة حولت إلى قصد آخر، ولو كان القصد منها بريئاً أصلاً. "وهكذا نصبوا فخاً للمنصف عند الباب" (اش، 29،21). لم يكونوا مهتمين بالإجابة عما سؤل عنه، إنما ليؤكدوا للجميع أنّ حكمهم المسبق عليه كان صحيحاً. للأسف مع أناس كهؤلاء لايجب التحدث معهم، لأنهم قرروا مسبقاً بماذا أفكر! فمن الصعب تغيير أفكارهم.

الحكمالمسبق، لايرى النور، لا يرى الحقيقة، فقط يرى مايريد أن يراه. ثم يقول: هو هكذا كما قلت لكم. إنّما في الحقيقة ليست  هكذا.  إنما أنت(صاحب الأحكام المسبقة) تراه هكذا. إنّ علماء النفس بالتعاون مع علماء الأعصاب درسوا مطولاً الحكم المسبق، وأكتشفوا أخيراً أنّ هناك صراع معاش يقوم بمثابة حاجز أمام مسار الأعصاب. فالحكم المسبق يحول مجرى مسار الأعصاب إلى طريق آخر وكأنّه مسار إجباري، كالذي نشاهده في الطرق العامة.  والمشكلة أنك لاتستطيع ان تأخذ طريقاً آخرا إن لم تحل الاصطدام السابق.

إنّ الفريسيين والهيرودوسيين لا يذهبون هم لئلا تفضتح المؤامرة فيزداد المسيح حرصاً، إنما "أرسلوا إليه تلاميذهم" يرسلون تلاميذهم لكي يتبين أنهم قصدوا التعلم لا التجربة والفخ.  يظهرون وكأنّهم أصدقاء، أنّهم تلاميذ ولكنهم كلّهم زيف وخداع. وبما أنّ يسوع نزيه وحاسم، يضع حداً أمام ما يفكرون به قائلاً لهم: "يامراؤن". عندما قابلوه بمقدمة ملؤها المديح الحسن والثناء المعطر "يامعلم، نعلم أنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنك لاتنظر إلى وجوه الناس" قال لهم بحزم أنتم مزيفون، أنتم إذدواجيون، لأنكم لا تبحثون عن إجابة لسؤالكم إنما فقط للإدانة!

كان السؤال "هل يجوز دفع الجزية لقيصر أم لا"  كانت الأمة اليهودية قد أخضعها الرومان قبل ذلك الوقت بمئة عام، وصارت ولاية ضمن الامبراطورية، ولذلك فُرضت عليها الجزية والضريبة، وفي بعض الأحيان كانت الجزية على كل شخص من سن 6 حتى 65 سنة كعلامة خضوع للإحتلال الروماني.  ومن هنا كان يتضح أنّ الصولجان(العصا) قد زال من يهوذا ((تك49، 10). وهنا لا نرى يسوع يقول: "نعم" او "لا" لأن كلا الحالتين سوف يعرض نفسه إما لغضب اليهود المتحمسين أو لغضب الرومانيين الثائرين. لأنه لو قال "نعم يمكن دفع الجزية" قام عليه الفريسيّون، وثار عليه الشعب الفقير وصرّح أنّه مع المحتل فبهذا يمكن إدانته.أما لو قال "لا" قام عليه الهيريون. فكان سيُعتقل بتهمة التمرد على السطة. لهذا نجد إجابة يسوع واضحة على خبثهم، فقال: "لماذا تجربونني؟"(22، 18). الفعل Peirazo هو فعل الشيطان، وترجمته مَن يضع الآخر على التجربة ليوقعه.عندما "جُرب يسوع في الصحراء" استعمل الانجيلي نفس الفعل. وكأنه يقول لهم: "أنتم الشيطان بعينه، أنتم بهذه اللحظة أعوان الشرير، لأن لكم أهدافاً أخرى، تقولون شيئاً ولكن تريدون أخر، تُظهرون أنفسكم أنكم حملان وديعة لكنكم ذئاب خاطفة".

كل مرة أتقدم للآخر ولدي أهدافاً أخرى، أكون مثلهم ، "من اعوان ابليس" أُظهر شيئاً لكن في الحقيقة أخفي ما أنا عليه.  هذا هو الكذب والخداع و النفاق...  ومع هؤلاء الأشخاص لايمكن إقامة علاقات حقيقية، لانك لا تعرف ماذا يخفون. وحتى لو قالوا الحقيقة لا تستطيع أن تثق بهم.

تجنب الرب يسوع لسؤالهم، وتوبيخه لهم على ريائهم كان كافياً أن يكون رداً عليهم، رداً على أسئلتهم السخيفة التي لا تستحق إجابة إنما توبيخ.

أخيرا: موضوع العملة: العملة المدنية كانت الدينار، حيث كان صورة الأمبراطور كإله قد صُكت عليه، منقوش عليها صورة الامبراطور ومن حوله الكتابة "طيباريوس قيصر بن اغسطس الإله الأعظم".  ومن الخلف كانت قد صُكت صورة الملكة  والدة الإمبراطور ليفيا كآلهة السلام. العملة هي رمز لقوة المسيطر. تداول العملة كان يعني ضمنياً الاعتراف بسلطة صاحب العملة.  وبسؤاله لهم أضطرهم  –قبل أن يشعروا-  للإعتراف بسلطة قيصر عليهم. "أروني نقد الجزية"  لم يكن معه أي نقود لإقناعهم بها، لم تكن معه قطعة واحدة من النقد.  وسؤاله: "لمن هذه الصورة والكتابة؟" أولاً: الصورة هي دليل على المؤسس وثانيا:ً هي دليل للإنتماء. صورة قيصر، تدل على أن هذه العملة ملكٌ له، وأيضاً آتية منه. هو مصدرها ومانحها. مظهر أي انسان يدل عليه. أنّه قادم من العرق الفلاني، أو من العشيرة الفلانية، أو من العائلة الفلانية، شكلك يقول:  أنت ابن فلان، أباك هو... وأمك هي... وانسابكم هم.... أمّا في الكتاب المقدس فيقول شيئاً آخراً: "خلقنا على صورته ومثاله" على صورة الله خُلقنا.  أي أننا منعائلة الله، أننا ننتمي إليه، نحن جزءٌ منه.

مآساة الحياة هي فقدان انتماءنا الحقيقي، مآساة الحياة هي ضياع الصورة الأصلية، نسيان انتماءنا وانتسابنا الأول. أنا انتمي له، والدي هو الله، والدتي هي الحياة. يجب أن ننظر لأهالنا، لأخوتنا، لأصدقائنا ونقول: أنا لست ملك لأحد، نحن معاً جنباً إلى حنب، هناك شركة فيما بيننا، هناك مشروع يوحدنا، لكن لست ملكي ولا أنا ملكك. أنا فخور أنكم بجواري، أنكم رافقتموني وترافقوني في مسيرتي في هذه الحياة، لكن لن تأسروني، خُلقت حراً وسأعيش حريتي. أنا أقيّم محبتكم لي وأبادلكم المحبة عينها، ولكن لا أحد سيشتريني بمحبته.  محبتي لكم ومحبتكم لي هي عطية مجانية. علينا ألا ننسى انتماءنا الأول.

يُحكى عن رجلاً كان يعمل مع سيده في إحدى الحقول وبينما هو يحرث الأرض وجد كنزاً كبيراً (آثاراً وتحفاً ثمينة) فقرر أن يشتري الحقل. ولشدة إلحاحه قرر صاحب الحقل بيعه له، لكنه طلب مبلغاً كبيراً...  فبدأ يعمل عملاً إضافياً، وطلب من زوجته العمل أيضاً، وأثناء أوقات الفراغ كان يتاجر بما كان يصنع، ثم بدأ يسافر أثناء الاعياد والأجازات ليكسب أكبر قدرٍ ممكن من المال...  وأصبح مشهوراً ومضرب المثل في تنظيمه لوقته واخلاصه لعمله، ونتيجة لكثرة أعماله ولسفرياته المتعددة، نسي الحقل ونسي الكنز الذي كان مخبأً فيه.

التراجديا الحقيقية أن أصعد مسرح الحياة وآخذ دوراً فيها (أرتدي قناعاً) أؤدي دوري بدقة فائقة. ولكن اخرج من المسرح واتابع دوري في الحياة مرتديا نفس القناع.  بالتالي أنسى من أنا. انسى ماكنت عليه في الأصل.

أما المركز الثاني فهو إجابة يسوع "أعطوا مالقيصر لقيصر وما لله لله". بكلامه يعلمنا أنه علينا أن نعطي كل إنسان حقه، أن نعطي قيمة لكل شخص. الفعل باليوناني ليس didomi يعطي، أنما apo-didomi أي يُعيد، يُرجع، يرد. أي علينا أن نرجع ما أخذناه من الآخر. أن نعيد ما اقترضناه من الآخر وليس ملكنا.

كلما يدرس العلماء الحياة يقولون إن الانسان هو معجزة.  الله أعطانا أعظم شيء ألا وهو الحياة. وللأسف كثيرون لايقدرون هذه العطية. لايعرفون مايفعلون بحياته، لا يعرفون كيف يستخدمون وقتهم. يستمرون في التذمر والتشكي من هذا ومن ذاك.في السيارة هناك عجلة احتياطية، عجلة أخرى، في الألعاب الالكترونية تنتهي اللعبة تظهر لائحة كتب عليها مرة أخرى. لكن تنتهي هذه الحياة لايوجد فرصة أخرى...  لهذا علينا أن نعيشها بملئها، بأكملها.  يوجد حياة واحدة لنحبها، لنشعر بها، لنحقق رسالتنا، لنتمم مشروع الله فينا من خلالها.

أريد يارب أن اتبع حلمي، أن أصارع لعالم أفضل، أن أشعر أن وقتي ليس وقت ضائعاً، إنّما له معنى لي وللعالم. إذا كانت هذه صلاتي وكانت حياتي هكذا. بالتالي سأعيد (سأرجع) الحياة لله كحي، وعندما أموت سأحيا أكثر.

اقترح أحد الرؤساء العامين للرهبان المرسلين في سوريا إمكانية مغادرة البلاد –بسبب الظروف التي نكر بها سورية الجريحة-  فقرروا أنهم سيعيشون الحياة بكل مافيها من أفراح ومن أحزان. وهاهم يعيشون ويبثون الحياة في من يلتقون به.  لقد علموا أنّ حياتهم ليست ملكهم...  علموا أنّهم ملك لله، لهذا أصبحت حياتهم نبع حياة لهم وللآخرين...  لم يمتلكوا الحياة، قرروا عيشها، قرروا إراقتها، فأصبحت نهر يتدفق حب وعطاء للجميع...

 إنّ صورة القيصر صُكّت عندنا على النقود، فله الجزية نقداً. وإن صورة الله قد صُكت على القلوب. لنصلي لكي لاتضيع صورة الله التي طُبعت في قلوبنا، كما طُبعت اسماؤنا على كف الله "على كفي نقشتك".

كيفية عيشي لحياتي هي دليل على انتمائي، دليل بمن اتعلق، وراء مَن أسير. هل أنا ملك لقيصر( هل اتبع القيصر، العالم، للمادة، الموضى... أم  أنا ملك لله سيدي وسيد الحياة، معطي السلام والأمان.

 

الأب داني قريو السالزياني

 

 

scuola Nazareth

al fidar photo