الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

انظر بعين من ينظر إليك...

انظر بعين من ينظر إليك... 

 

 مثل هذا اليوم (متى 22، 1-14) هو تتمةٌ لمثل الأحد السابق. في الحقيقة هما مَثلان:

لأول يصف الدعوة للوليمة ونتيجة الرفض. والثاني يتكلم عن رجل دون ثياب العرس. لكن متى وضعهما معاً في رواية واحدة. 

 

الأب داني قريو
السالزياني

1. وكلمهم يسوع بالأمثال مرة أخرى قال: 2. “مثل ملكوت السموات كمثل ملك أقام وليمة في عرس ابنه. 3. فأرسل خدمه ليخبروا المدعوين إلى العرس فأبوا أن يأتوا. 4. فأرسل خدما آخرين وأوعز إليهم أن “قولوا للمدعوين: ها قد أعددت وليمتي فذبحت ثيراني والسمان من ماشيتي،وأعد كل شيء فتعالوا إلى العرس“. 5. ولكنهم لم يبالوا، فمنهم من ذهب إلى حقلة ومنهم من ذهب إلى تجارتة 6. وأمسك الآخرون خدمه فشتموهم وقتلوهم. 7. فغضب الملك وأرسل جنوده، فأهلك هؤلاء القتلة، وأحرق مدينتهم. 8. ثم قال لخدمه: “الوليمة معدة ولكن المدعوين غير مستحقين، 9. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وادعوا إلى العرس كل من تجدونه “. 10. فخرج أولئك الخدم إلى الطرق، فجمعوا كل من وجدوا من أشرار وأخيار، فامتلأت ردهة العرس بالجالسين للطعام. 11. ودخل الملك لينظر الجالسين للطعام، فرأى هناك رجلا لم يكن لابسا لباس العرس، 12. فقال له: “يا صديقي، كيف دخلت إلى هنا، وليس عليك لباس العرس“؟ فلم يجب بشيء. 13. فقال الملك للخدم: “شدوا يديه ورجليه، وألقوه في الظلمة البرانية. فهناك البكاء وصريف الأسنان“. 14. لأن جماعة الناس مدعوون، ولكن القليلين هم المختارون“.               

الانجيلي متى يعيد قراءة كل تاريخ الشعب العبري. فالله لم يكفَّ عن إرسال الخدم، (مرسليه، أنبياءه )... لكن اسرائيل لم تقبلهم، بل بالأحرى قتلوهم. حاول الله بكلِّ الطرق أن يدعو شعبه إلى الوليمة المعدّة له،  أن يدعو شعبه إلى الفرح الإلهي، ولكن لم يجد أية إجابة!

تصرّف الملك في كلا المثلين يذهلنا ويحيرنا! فهو تصرف غريب! وهو الدعوة لوليمة عرس. كانت الولائم في ذلك الزمان، حدث مرتقبٌ. حدثٌ منتظر من قبل الجميع. لأنها كانت لحظات لا تعوض. كانت وليمة العرس، عادة غنية، وسخية، ومجانية ومبهجة حيث الفرح، الأكل، الشرب، لقاء الأحباء...  رجال ونساء، شباب وبنات، الكل يلتقي، يغني، يفرح... بعيداً عن هموم الحياة، بعيداً عناء العمل اليومي. وهنا لم تكن وليم عرس عادي، إنما وليمة عرس ملكي. فهي وليمة الملك. ولكن رغم كل هذا نجد في هذا المثل رفض من قبل المدعوين! إنه لأمر غريبٌ حقاً!

          وغريب أيضاً ردة فعل الملك. فنجده يدعو كل من يراه، من انـاس على الأغلب لا يعرفهم (لكن لم يكن غريب ما كان يريد أن يعبّر عنه). كان الذين يقيمون وليمة يدعون بعض الضيوف لينعموا معهم بها. وضيوف الله هم بنو البشر. "يارب من هو الإنسان حتى ينال هذا الشرف الرفيع". ولكن وللأسف نداء الرب قوبل بفتور بل و ببرود بني البشر، وبالإساءة التي قوبل بها حاملوها، الأمر الذي اعتبر إهانة للملك نفسه وللعرس الملكي. تهاون الناس في قبول الدعوة، ظانين أن الأمر لا يستحق الذهاب، ظنوا أن المرسلين بالغوا في الأمر أكثر من اللازم. مهما عظموا من شأن الوليمة التي أعدت فإنهم يستطيعون أن ينالوا في بيوتهم طعاماً مماثلاً.

إنَّ سبب التهاون والإستخفاف لأنه كانت لديهم شؤوون أخرى أهم منها "ومضوا واحداً إلى حقله، وآخر إلى تجارته". إن مشاغل العالم  تعوق الكثيرين عن الإتحاد بالرب ولا يرفض أحد الوليمة إلا ملتمساً هذه الأعذار أو تلك (لو14، 18). فأهل الريف لهم حقولهم ومزارعهم للأهتمام بها، وما أكثر المشاغل التي تستنجد كل يوم. وأهل المدينة يهتمون بجوانبهم وبالبيع والشراء والتجارة. صحيح أن كلاً من الفلاحين والتجار يجب أن يكونوا مجدين مجتهدين في عملهم، ولكن هذا يجب ألا يكون إلى الحد الذي يعوقهم عن الأمور الروحية، عن أمور الرب. لذا، لقبول نداء الرب يجب ان نكون فقراء أي متجردين، متحررين. لأنّه لو كان لديك انشغالات أخرى أهم لن تصغي لصوته. إذا كنت غنياً بأفكارك، وكنت مقتنعاً أن الأمور يجب أن تسير على هذا النحو وفقط على هدا النحو، لن تستطيع أن تتبع نداءاً آخر، ولا حتى لن  تستطيع أن تصغي لنداءات الحياة. هذا لأنك تملك مسبقاً أفكارك الخاصة، وكيفية سير الحياة حسب رأيك. وإن أتتك اقتراحات ونداءات من السماء بالتالي سترفضها ولن تأبه بها، لأنك عالم كل شيء، وتعرف كل شيء، فلست بحتاجة لأي نصحية!

وغريب أيضاً ردة فعل الملك في نهاية المثل الثاني أيضاً! تصرف قاسٍ، ورهيب مع الرجل دون ثياب العرس. فنراه يأمر أن يربط ويرمى في الظلمة البرانية حيث البكاء وصريف الأسنان.

          لنطبق المثل على حياتنا: مثلاً: لنضع انفسنا مكان المدعوين. هناك دعوة، نداء، رسالة... لكني لا أقبل، أو لا اسمع، أو بالأحرى لا أنتبه لها. طبيعياً ستكون مرّة.

          أذكر حادثة حصلت معي وأنا في تورينو. جاءني زوجان يشتكيان من حياتهما الزوجية. (إن الملك، الله، الضمير، الحياة... يريدون أن نعيش الحياة بكامله، أن نتمتع بها تماماً، لذا يرسلون مرسليهم، رسائلهم، خدمهم): انظر، ألا تشعر ان الفرح الذي كنَا نتشوق له اثناء لقاءاتنا قد انتهى؟ ألست مهموماً بأمورٍ أخرى؟ ألا ترى أن لك افكارك الخاصة التي لاتقبل اي نقاش؟... عبارات عديدة (إنذارات) ولكن لا يوجد آذان للسمع! بالتالي الملك، الله، الضمير، الحياة... ترسل رسائل أقوى (خدم آخرين): ألا ترى أنه ليس لديك أي رغبة في التحدث معي أو الإقتراب مني؟ ألا تلاحظ أنك مشغولٌ، وقد نسيتني؟ العمل هو انشغالك الأول والوحيد، وأنا؟ العمل يأخذ كل وقتك؟... هنا الملك، الله، الضمير، الحياة... ترسل رسائل أقوى وأشد (خدم آخرين): ألا ترى أنك لا تنام في الليل جيداً؟ إنك في أرق مستمر؟ كل هذا وأنت لا تلتقط هذه الرسائل، كل هذا وأنت لا تستطيع فك هذه الشفرات (الرسائل) وتقول: ممكن لأنني مضغوط قليلاً. وبما أنّك لا تنام وإن نمت تنام قليلاً فالتالي تشخر وكأنك جرار زراعي! بالتالي تقرر أن تنام في سرير مستقل عن زوجتك. رغم كل هذا لاتلتقط الرسالة الصحيحة. تفعل ما فعله المدعوون لوليمة العرس، الرفض. بالتالي الملك يرسل لك رسالة أقوى بكثير مما سبق: تبدأ بلقاء امرأة أخرى وتتعلق بها ثم تقع في غرامها. تبدأ الناس تلاحظ وتقول: كيف حدث هذا؟ ألم يكونوا عائلة مثالية لغاية الأمس؟ لم نسمع صوتهم أبداً؟ كيف حدث هذا؟ ... وبما أنّه من السهل ازاحة المشكلة بدل من مواجهتها، بدل من النظر فيها وجهاً لوجه: تبدأ تقول أخيراً وجدت المراة التي ابحث عنها. وجدت سعادتي، هذا المرأة الجديدة ستحل كل مشاكلي. للأسف، ليست المرأة الجديدة التي ستحل مشاكلك. إنّما ستحل مشاكلك إذا واجهتها بطريقة جديدة. وإلا بعد أقل من سنة مع هذه الجديدة ستقع في نفس الدوامة السابقة.

للأسف عندما يصل الانسان لهذه النقطة – فقط - تطلب مساعدة. قائلة: لم نعد نحب بعض. الحب الأول قد خمد، وجفّ.  لانعرف ماذا حدث، لم تعد بيننا تلك المشاعر الأولى. وقعت في حب أمرأة أخرى[1]. وغالباً ما ندرك هذا متأخراً. عندما نصل إلى هذا الحد نجد أن العلاقة قد انتهت منذ زمنٍ بعيد! لأن الناس تتجاهل أمراضها، تتناسى مشاكلها، لاتبالي بما يحدث في حياتها، وترفض إي رسالة جديدة. جوابي لهؤلاء الأشخاص: أين كنت من قبل؟ ماذا استطيع أن اعمل أنا؟

يرسل الملك، الله، الضمير، الحياة،... رسائل كل يوم وطوال اليوم، إن لم تلتقطها تبدأ بالإقتراب من الهاوية، تقترب من الموت. الناس تموت لأنها لاتلتقط رسائل الحياة.

أحد الأطباء عاش كل حياته فقط لعمله، لخدمة المرضى والمتعبين... كان متفانياً جدا في عمله، والكل كان يشهد له، يشهد لأتقانه، لاجتهاده، لتضحياته... لم يكن له أي هواية أخرى. كان الطب كل حياته، كان دائماً طبيباً، حتى أنّه كان طبيباً مع زوجته وأولاده. كان يقيم نفسه كطبيب مستمر، كان يفهم كل شيء يتعلق بالطب، وغير الطب لا يفقه حرفاً. عندما كان يخرج مع جيرانه، أو اصدقاء الدراسة، لم  يكن صديقا، بل كان الطبيب المعالج... في أحد الأيام قالت له إدارة المستشفى ، أنت طبيب ناجح ولك أكثر من 30 عاماً تعمل معنا... هذا سيبقى عملك، وفي اي وقت تريد أن تأتي مكانك محفوظ، لكن إرادة المستشفى تريد أن تعين بعض الأطباء الشباب، ومع الوقت ممكنٌ أن يتدربوا تحت يديك ويأخذوا مكانك... أنت لقد تخطيت 60 عاماً. ففي غضون يومين أصيب بإلتهابٍ رؤوي وفارق  الحياة في أقل من أسبوع! 

أنت حزين وآخر يدعوك للخروج معه، اقبل النداء!

أنت مكتئب، مخنوق ولم تعد تدرك ماذا يحدث معك. أحدهم يدعوك لإجتماع صلاة لتتنفس نفسك. اقبل النداء.

أنت مرعوب وخائف من الحياة، أحدهم دعوك لأن تتبعه. أقبل النداء.

الحياة تناديك، تدعوك. إن لم تسمعها ستناديك مجدداً، وإن لم تصغي ستصرخ فيك، ثم سترفع المعيار وصعقك. وفي النهاية لاتقل أنّ الحياة مرة، ولا تطاق. أنت لا تريد سماع نداءاتها... يقول المطرب فريد الأطرش: الحياة حلوة بس نفهمها، الحياة غنوة ما أحلى انغامها.

أجمل ما في ربنا أنه لا ييأس منّا، يجرب مرة وثانية وثالثة ورابعة... يتكلم، ويرسل، وينبه...

إنّ نهاية المثل، هو مثل مضاف (النص الذي نتأمله هو مثلين).

بعد أنه أرسل عبيده لمفارق الطرق والشوارع والساحات، وامتلأ  البيت يجد من ليس عليه حلة العرس. يقول بكل لطف: "ياصديقي كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس". هذا النداء "ياصاحبي، يا صديقي" هي كلمة تنفذ كسهم ماضٍ إلى القلب، فقد كان هذا الشخص صاحبأ حسب الظاهر ، يدّعي الصداقة، يتظاهر بها، ملتزماً ببعض الروابط بأن يكون صديقاً. – هناك بعض الأشخاص في الكنيسة هم في الظاهر فقط أصدقاء- يقولون أنّهم يحبون المسيح وقلوبهم بعيدة كل البعد عنه.

"كيف دخلت إلى هنا" لم يوبخ العبيد للسماح لهم بالدخول، فلباس العرس أمر داخلي، والخدم لا يحكمون إلا بحسب ما يقع تحت انظارهم. ولكن وبخه من أجل جرأته على الدخول وهو يعلم أنّ قلبه غير مستقيم. كيف تتجرأ أن تطلب نصيب من بركات الانجيل وأنت لا تراعي ما يطلبه منك، وأنت لا تراعي داخلك! كيف أتيت إلى مائدة الرب دون إتضاع القلب وقداسة الحياة؟ كيف أتيت للجلوس على مائدة القديسين وقلبك قد ذهب وراء مطامع الدنيا؟ 

 سفر الرؤيا (2،3،4،5) يتكلم على الثياب البيضاء، وايضاً الانجيل يتكلم على الثوب الجديد ( مر 2، 22) " ما من أحد يرقع ثوبا عتيقا بقطعة من نسيج خام، لئلا تأخذ القطعة الجديدة على مقدارها من الثوب وهو عتيق، فيصير الخرق أسوأ." الابن الضال لبس الثوب الجديد. الثوب الأبيض لايقصد به أن نكون كاملين، انقياء، طاهرين.. الثوب الأبيض هو الخلاص، الملكوت الذي قدّمه الرب يسوع. اله يحبك، ويقدم لك الحب المجاني غير المشروط، غير آبهٍ لاستحقاقاتك، ويذكرك أنه حتى لك هناك ثوبٌ جاهز أبيض خصيصاً لك. الخلاص هو معطى لك بالتحديد. الحياة هو معطاة لك بالتحديد. خذ المحبة، خذ الثوب الناصع البياض.  ثوب النور، ثوب الجمال.

علينا أن ننظر بعيون من ينظر إلينا. أن ننظر بعيون الله المحب. يجب أن نؤمن بجمالنا، يجب أن ننظر لقيمتنا... حتى وإن رفضنا أحدهم، حتى وإن نسينا أحدهم، حتى ولو نكرنا أحدهم. يجب أن نتغذى من محبته، يجب أن نصغي لنداء حبه وندخل فرحه، ونتعشى معه.

الله يعطيك هذا الحب، يعطيك هذا الثوب. أعُطي لك من يوم معموديتك، تذكر أن هذا الثوب لايمكن ان يتسخ أمام أعين الله. الله يحبك بعيداً عن استحقاقاتك. عندما تشعر أنك فشلت، عندما تشعر أنك وحيد، عندما تشعر أنك لا شيء، أخرج هذا

الثوب وارتدي الناصع البياض. وعندها سيراك بثابك الجديدة  ، سيراك نوراً من نور... وسيكون هذا لك للأبد.

الأب داني قريو السالزياني



[1]  هذا ينطبق على المرأة كما ينطبق على الرجل.

scuola Nazareth

al fidar photo