الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

دون بوسكو أبو الشبّان

دون بوسكو أبو الشبّان

 أتاه الله حكمة وفهماً ذكياً جداً وسعة صدر كالرمل الذي على شاطئ البحر

 

   لقد سمّي دون بوسكو "مربّي القرن التاسع عشر" ورسول الشبيبة وقد حنا على المشرّجدين من الفتيان وأرشدهم الى الطريق السوي ولقّنهم مهنة هي خير دعامة لمستقبل زاهر وطيد.

     كان دون بوسكو منذ صباه شديد الرغبة في أن يصير الكاهن الموالف الشبّان المستميلهم بالمحبّة واللين حتى أصبح أباً لهم وأخاً وصديقاً.

     وسُمع يردّد أكثر من مرة "هنا معكم أنا بخير فحياتي هي أن أكون معكم".

     وعند نهاية حياته، عندما كان يضنيه العمل المتواصل، قال لأمين سرّه (سكرتيره): "وعدت الله تعالى بأن تكون حياتي، حتى أنفاسي الأخيرة، لخير شبابي المهملين"

     يتيم الأب منذ الثانية والنصف من عمره، تألم من الفقر والحرمان واضطرّ الى العمل في الحقل والى رعاية البقر منذ سنّه السابع.

     تعلّم مبادئ القراءة والكتابة في وقت قصير وهو في السنة التاسعة، إذ كان يتردّد الى عمته التي كانت خادمة عند كاهن قرية مجاورة.

     حتى قادته العناية الربّانية يوماً من أيام سنة 1826 الى الالتقاء مع كاهن غيور (الأب كالوسّو) وكان ذلك في مناسبة الصلوات الخاصة والمواعظ التي كانت تلقى على المؤمنين لنيل غفران اليوبيل.

     واتّفق معه هذا الكاهن أن يقصده كل يوم صباحاً ليلقّنه اللاتينية وبعد ذلك كان يوحنا يعود الى قريته وعمله في الحقل والى رعاية الماشية.

     ولكن لم يدم ذلك إلا سنة واحدة لمقاومة أخيه أنطون فاضطرّ يوحنا الى أن يشتغل في مزرعة كخادم حتى أصبح عمره 15 سنة ولأول مرة تردّد الى مدرسة في كاستل نوفو.

     وكان يسير كل يوم مسافة 20 كيلومتراً ماشياً للوصول الى المدرسة حتى اتّفقت أمّه مع خياط على أن يبيت ابنها في بيته بدلاً من خدمات يؤدّيها له وقت فراغه من الدرس.

   وقد انتهز يوحنا تلك الفرصة وتلقّن صنعة الخياطة والتفصيل واستفاد من ذلك فائدة كبرى.

     وبعد ذلك أخذ يخدم حدّادًا ونجّارًا وتعلّم عنهما الحدادة والنجارة حتى انتقل الى مدينة أخرى (كييري) عام 1831 ليتابع الدروس الثانوية.

     وأخيراً، بعد أربع سنوات، استطاع أن يحقّق حلمه الكبير وفي سنة 1835 دخل المدرسة الاكليريكية الكبرى ليتعلّم الفلسفة واللاهوت.

     وعندما سيم كاهنًا (سنة 1841) أراد أن يقف حياته كلّها على تربية الشبيبة المهملة ورفض أيضاً وظائف أخرى عُرضت عليه كالعمل كمرشد روحي ومعلّم موسيقى في مأوى القديسة فيلومين التابع للمركيزة بارولو.

     قد لاحظت هذه المركيزة انّ دون بوسكو صار ضعيفًا بسبب عمله المتواصل وقالت له يوما:

     "أودّ أن اسلّم إليك مشاريعي الخيريّة من مستشفيات ومياتم وخصوصًا هذا المأوى لأنّي لن أجد أجدر منك".

     "لا أستطيع يا سعادة المركيزة – أجاب دون بوسكو – هؤلاء الأولاد ليس لهم أب سواي.. وأنا أعدك بأن أقوم بالمهمّتين".

     "لا يمكنك أن ترفع بطيختين بيد واحدة... هاءنذا أترك لك كلّ شيء، كل ممتلكاتي".

     "يوجد دائما يا مركيزة من يهتمّ بمشاريعك، أمّا أولادي فليس لهم معين غيري".

     "إذن أتخلّى عنك وعن خدماتك في هذا المأوى وعن الاعانات المالية الوفيرة التي أخلعها عليك".

     يسؤني أن تتركيني ولكن يقين انّ العناية الالهيّة ستظلّ معي".

     هكذا أصبح دون بوسكو ينتقل من محل الى محل ليجمع الأولاد ويعلّمهم التعليم المسيحي ومبادئ الحساب والقراءة.

     واضطرّ الى استئجار بعض الغرف حتى تشكّى الجيران من ضوضاء الأحداث وأخذ دون بوسكو ينتقل من جديد.

     شرع أول الأمر في المصلّيات العيدية بأن جمع مئات من الشبّان أيام الاحاد والأعياد لإرشادهم في امور الدين وإبعادهم عن الأخطار.

     ثم فتح مدارس للأيتام والفقراء ومدارس لمتوسطي الحال (مدارس صناعية نهارية ومسائية).

     والسجون كانت منطلقه ثم الشوارع وأزقة مدينة تورينو الايطاليّة. بحث عن المتعطلين عن العمل، عن اليتامى فالمطرودين ثم الأجراء وأبناء العمال فالمهملين من كل رعاية روحية كأبناء القرى النازحين الى المدينة سعيا وراء الرزق.

     وكان دون بوسكو يعامل الأولاد بتلك الجاذبيّة الخاصة التي كانت ميزته منذ صباه.

     وكان، وهو صبي، يجمع حوله الأولاد ويسرد لهم القصص المؤثرة. وكان يُطرفهم بألعاب ونوادر لذيذة كانوا يردّدونها في بيوتهم مبتهجين شاكرين.

     وبقوة ذاكرته المذهلة كان يتعلم وعظة الكاهن ويعيدها على مسامعهم وهكذا تمكّن رويداً رويداً من حملهم على الصلاة وأداء فروضهم الدينيّة.

     ويوماً من الأيام اعتاد بهلوان المجيء الى الضيعة كلّ أحد، مجرياًألعابه في ساحة الكنيسة قبيل القداس وبذلك كان يجذب إليه الشبّان، مانعاً إياهم عن تكميل واجباتهم الدينيّة.

     أما يوحنا الصغير فتمكّن بمهارته ولباقه الى اقصاء هذا البهلوان وجذب الشبّان اليه، بما كان يمثّله أمامهم من المشاهد الغريبة الجميلة.

     وعندما أصبح كاهناً، تابع في نفس الأسلوب في معاملته الأولاد: فكنت تراه يلاعبهم، يروّح عن أنفسهم بشتى الوسائل من موسيقى ومسرح وملاعب ورحلات.

     وكان الأولاد يبادلونه حبّه وثقته، يحّييونه بجذل في الشوارع: هناك ماسح للأحذية يصافحه بحرارة فيترك على يده آثار البويا.

     وهناك منظّف للمداخن يهتف إليه بأعلى صوته من فوق أحد السطوح "عاش دون بوسكو"، وهو يلوّح بمكنسته كأنها بيرق خفّاق.

     وهناك أجير فرّان يتناسى طبق الخبز وسط الشارع ليسعى اليه باسط اليدين.

     ولم يفقد دون بوسكو ثقته وتفاؤله في الأولاد ورأى في كلّ واحد منهم قماشاً جيداً ليفصل ثوباً جميلاً للرب.

     لم تثنه الصعوبات: مثلاً أول ما أنشأ داراً لمبيت آوى ليلة من الليالي عدداً من أبناء الشوارع رجاء أن يعيدهم الى الله. فما كان انذهاله لمّا جاء الصبح ليوقظهم فوجد .. بيت المنام فارغاً ليس فيه لا مطرح ولا لحاف ولا كيس!!!

     لم تثنه الصعوبات ولم يعدل عن تفاؤله: فكم من الشبّان والصبيان قد حوّلهم دون بوسكو بعنايته الأبويّة وطريقته في التربية؟!

     ثلاثة منهم كتب هو نفسه سيرتهم ليقدّمهم كمثال يقتدى به: هم دومينيك سافيو الذي أرشده الى طريق القداسة وقد مات في الخامسة عشر من عمره.

     والثاني بسوكّو فرانشيسكو ذلك الراعي الصغير الذي أتى الى المصلى وازدهر بإكرامه لمريم العذراء وغيرته الرسولية بين أقرانه.

     وأخيرا ميشيل ماكونه، قائد المشرّدين في قريته، الذي دعاه دون بوسكو الى المصلّى عندما كان في ربيعه الثالث عشر وأصبح بارشاده قدوة لرفقائه..

      ربما سأل سائل: "كيف تيسّر للقدّيس يوحنا بوسكو أن يربح ثقة الأولاد حتى كانوا يتهافتون عليه ويكشفون له سرائرهم وأسرارهم؟

     انما السرّ في ذلك ما كان ينصحه لرهبانه بقوله: "أحبّوا الولد فيطيعكم. كونوا آباء لا رؤساء".

     كان مبدأه العملي: "إن أردت أن يحبّ الفتى ما أنت تؤمن به فأحبب أنت ما يهواه الفتى".

     لذلك كان يشارك أولاده في ألعابهم ويتحبّب إليهم ويفعم قلوبهم بهجةً وسروراً بعذوبة كلامه ولطف معاملته وذلك في جوّ يشابه جوّ الأسرة.

     أمّا الهدف من تربيته فكان أن يجعل من أولاده مسيحيين صالحين مواطنين مخلصين وذلك بالأمانة في تتميم الواجبات من درس وعمل في جوّ من الفرح: فكان يقول تكراراً مراراً للأولاد: "اعبدوا الرب بالفرح".

     انما القلب ينبض والشباب يدوم إن عرف أن يستقي من المنهل الإلهي بواسطة سرّي التوبة والقربان الاقدس لانهما الركنان الأساسيان اللذان ركّز عليهما دون بوسكو تربيته.

     فقد زاره مرة سفير الملكة فكتوريا الإنجليزية ليكتشف سرّ بجاحه. أقبل الوزير الى تورينو وطاف أطراف المدرسة ولم يشاهد أحداً. ثم دخل القاعة (قاعة الدرس) وهي تضمّ 600 طالب وجعل يتفرّس فيهم متعجّباً من صمتهم واعتكافهم على المطالعة والدرس حال كون الناظر متغيباً. ولاحظ كلاً منهم يحدّق في كتابه لا يرفع رأسه لينظر اليه.

     عند ذلك أقبل دون بوسكو وحيّا الوزير بالسلام واستخبره عن اسمه وعن سبب زيارته. ثم طاف به في أنحاء المدرسة شارحاً له من وما فيها والوزير يصغي إليه متعجباً.

     وبعد ذلك قال الوزير للقدّيس: "أرجو أن تطلعني على سرّ نجاحك وعلى الوسائل التي بلغت بك الى هذه النتائج الباهرة فأغدو لك شاكراً ممنوناً."

     فقال القديس: " إنّ الوسائل بسيطة وقريبة المأخذ جداً".

     وما هي تلك الوسائل؟

     "المثابرة على سرّي الاعتراف والتناول والتشبّث بالدين المقدس. فالدين أو العصا ولا ثالث لهما.

     هذا ما فعله دون بوسكو في حياته وقد بذل نفسه في سبيل خير الشبيبة.

     في آخر حياته نصحه الطبيب أن يغادر المدينة ويذهب الى الريف ليستعيد قواه. ذهب دون بوسكو الى لانزو حيث كانت أيضاً مدرسة سالسيّة واعتاد أن يذهب كل يوم الى النزهة متكئاً على العصا أو محمولاً في عربة صغيرة، الى مكان هادئ مطلّ يجيل النظر الى المدينة.

     سأله يوماً أحد الرهبان: "لماذا تركّز النظر الى الأفق البعيد يا أبانا؟"

     "هناك ارى أبنائي الفتيان" أجاب دون بوسكو.

     وهو على فراش الموت قال للذين كانوا حوله: "قولوا لأولادي الأعزّاء إنّي أنتظرهم كلّهم في السماء.

     فعلاً قد كرّس دون بوسكو حياته كلّها في سبيل تربيتهم وإرشادهم الى الخير ولقّنهم مهنة.

     فكان في ذلك سبّاقاً لعصره متخطّياً حدود الزمان والمكان كاشفاً لنا نحن أبناء القرن العشرين معالم رسالة مثمرة.

     كان دون بوسكو يردّد لمن كان يدعوه الى الانضمام الى رهبنته الجديدة: "تعال ... تعال أعطيك خبزاً وعملاً والجنة".

     وانضمّ الكثير من الشبّان الأسخياء من كل البلدان والجنسيات الى عدد أبنائه، ليواصلوا عمله الرسولي بين الشباب...

         ألا يكون مَن يثق فيه كما وثق به الكثير من الفتيان من كل البلدان، ليعطيه دون بوسكو خبزاً (يعني ما يكفي من الحياة المادية) وعملاً (يعني الرسالة ما بين الشبيبة) وأخيراً الجنة؟