الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

رسالة في الرب يسوع

رسالة في الرب يسوع

 

لقد سرّني أن أكتب إليك هذه الرسالة مع ما تحمله من وعد، من لقاء، من بُشرى… وهي ليست كالرسالة الإلكترونية التي لا نعطيها الأهميّة العاطفية والمعنوية الكافية التي نعطيها عادةً للرسائل الكلاسيكية التي ننتظرها بحرارة.

رسالتي لكَ ولكِ اليوم تنبع من محبة الله لنا وعلاقتنا به والتي لا يجب أن تتأثّر بعصر السرعة! فنموّنا الروحي وصلاتنا يحتاجان إلى وقت، إلى صبر، إلى إيمان، إلى حبّ، إلى بحث… لذا أرجو أن نعطي الوقت الكافي لأنفسنا كي نفهمها فقد صلّيت قبل أن أكتبها وطلبت من الروح القدس أن يشرف عليها ويغنيها من إلهاماته.

 

هدف الرسالة:

أن أحملك على التساؤل:

هل أنا "صادق" في سعيي إلى تحقيق هويّتي المسيحية؟

أن أجعلك تراجع حياتك من خلالها:

ما هي العلامات التي تدلّ على صدقي في علاقتي مع المسيح؟

أن أقترح عليك آفاقاً جديدة:

ما هي الخطوات التي يمكن أن أقوم بها كي أنمو روحياً وأصبح "قديساً"؟

القديس هو من يمكن أن ينظر إليه الربّ ويقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت"!

 

سِر معي عبرَ المحطات التالية لتستطيع الإجابة على الأسئلة المطروحة ولتكتشف أينَ أنتَ في مسيرتك الروحية وما هي الخطوات التي تنتظرك.

 

1.         قُل  لنفسك : "الله  يعرفني  ويُحِبُّني"

من المزمور 139:

"يا ربُّ قد سبرْتني فعرَفتني  عرفتَ جلوسي وقِيامي

فطنتَ من بعيدٍ لأفكاري    قدّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي     وأَلِفْتَ جميعَ طُرُقي

أنتَ الذي كوّن كُليَتَيَّ       ونسَجتَني في بطنِ أمّي

نفسي أنتَ تعرفُها حقَّ المعرفة…"

 

أنظر إلى نفسك بعيون الله الخالق: فقد جعلك على صورته كمثاله.. تعرّف على المواهب والنعم التي ملأك بها واشكره عليها.

أحبب نفسك واكتشفها. تذكّر أنّ الله أرادك "مشروع محبّة" تجاهه، تجاه نفسك وتجاه من حولك. ألم يقُل: "أحبِب قريبَك كنفسك".

قد أحبّك هو أوّلاً وأجاد بابنه الوحيد كي تكون لكَ الحياة وتكون لك بوفرة.

الله يفكّر بك، يدعوك باسمك، يغفر لك، يعتني بك، ينتظرك، يعانقك: "أشفق عليه، فأسرع وألقى بنفسه على عنقه" (لوقا 15/20)

هذا هو وجه الله الأمين في المحبّة حتى عندما تنقص محبّتك له وتخونه أفكارك وأعمالك وخطيئتك.

إنّ عدم صدقك مع نفسك ومع "قريبك" يشوّه صورته فيك.

 

إنّ حبّ الله لك لا شكّ فيه. فهل بدورك تحبّ الله؟ هل سألته ما هي إرادته فيك؟ كيف يريدك أن تعيش؟ أن تتصرّف؟ أن تتحدّث؟

 

2.        قُل  لنفسك :  " أنا  هيكل  الروح " (2 كور 6/16)

هل تسمع صوت الروح الذي يسكن فيك. أم أنّ أصوات العالم تثور في نفسك؟

أصوات من داخلك: الكبرياء، الغضب، الطمع، الحسد، الكسل، الشراهة، الشهوة، حبّ الظهور…

أصوات من الخارج: الإذاعات، الأفلام، الدعايات، الموضة، الجنس، الصرعات…

أن سجناً لا يُقيّد الجسد ليس بسجن، وإن حريّة لا تحرر الروح ليست بحرية.

 

كُن إنساناً روحياً، أي أصغِ إلى إلهامات الروح!: "اليوم إذا سمعتُم صوته فلا تُقسوا قلوبكم" (مز 94/8)

"هاءنذا واقف عند الباب وأقرع. فإن سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب. أدخل فأتعشّى معه وهو معي" (رؤيا 3/20)

صوت الله لا يبلغ النفوس في الضوضاء والتشتّت… إبتعِد عن أن يكون قلبك كالطاحون الذي لا يسمع إلاّ هدير حجارته!

إذا أردت أن تعي همس الأعماق فأفرغ أذنيك من ضجيج الشواطئ.

 

كم مرة قال يسوع: "من كان له أذنان فليسمع!" (متى 11/15) إنتَبه كي لا يُقال فيك ما قيل في إنجيل يوحنا: "أتى إلى خاصّته، وخاصّته لم تقبله" (يو 1/1) فأنت من خاصّة المسيح الذين أحبّهم حتى النهاية، حتى الذبيحة، حتى الموت…

 

تخلّص من الفتور الديني، مرض كل مسيحي لا يعرِف أن يسمع صوت الروح في نفسه. فالروح يصلي فيك بأناتٍ لا توصف، الروح "المعزي" يقوّي طاقاتك ويذكّرك بكل ما قاله يسوع. إنه "الحاضر في كل مكان، مالئ الكل، كنز الصالحات، وواهب الحياة" (الليتورجية البيزنطية) أدعوه: "هلمّ واسكن فِيّ وطهّرني من كل دنس"

 

أطلب في صلاتك "الولادة من فوق" كل يوم. أطلب أن تمتلئ نفسك من الروح القدس:

"إذا كنتُم أنتُم الأشرار تعرفونَ أن تُعطوا العطايا الصّالحة لأبنائكم، فما أولى أباكُم السّماوي بأن يَهَب الرّوح القُدُس للّذينَ يسألونه". (لوقا 11/13)

-       كم مرّة يجب عليّ أن أطلب الامتلاء بالروح القدس؟

- في كل مرة تدرك فيها أنك لست تعيش ولست تعمل بحسب الروح.

 

3.       قُل  لنفسك :  " صخرتي  هو  وخلاصي ،  ملجأي  فلا  أتزعزع"

هل تكوّن نفسك بعيداً عن المسيح أم أنّك تؤسّس بيتك على "الصخرة"، على "الكلمة"؟

"الأرض والسماء تزولان وكلامي لا يزول"

"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"

يَشبّه القديس أغسطينوس كلام الله بصنارة صيد السمك. الصنارة لا تأخذ السمكة ما لم تأخذ السمكة الصنّارة بفمها.

كلام الله "زرع". وهل يُزرع الزرع في مهبّ الريح؟

اجعل من نفسك أرضاً طيبة صالحة للزرع كي يُقال فيك ما قيل في مريم العذراء أم الكنيسة: "طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها"

من المهم أن يحفظ الإنسان "بيته" (نفسه) من الأفكار السلبية والضالة والشريرة وذلك عن طريق استبدالها بأفكار جيدة صحيحة، ويتضح ذلك جلياً في (رومة 12:2) التي تدعو المؤمنين: "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم". وأينما يذهب العقل يتبعه السلوك! إن السلوك المتجدّد يأتي فقط من يقظة عقل متجدّد. استبدل إذاً أساليب تفكيرك الطبيعية بحكمة الله، بكلمة الله.

متى سكنت فيك كلمة المسيح، تقضي فيك على الفراغ الروحي (الفتور الروحي) وتجد سلاماً مع الله، مع نفسك ومع الآخرين.

جدّد ذهنك أقلّه أسبوعياً بكلمة الله. فكما يتغذى جسدك، يجب أن تغذي عقلك وقلبك بالكلمة كي تنمو بالنعمة والطاعة للربّ.

 

4.        هل  أنت  ثابت  في  المسيح ؟

"يا ربّ، اسمح لي أن أمضي أوّلاً فأدْفِنَ أبي". فقالَ له يسوع: "اتْبَعني ودَعِ الموتى يدفنون موتاهم". (متى 8/21-22)

اسأل نفسك: هل أعيش فعلاً أم أني ما زلت أفضّل الباب الرحب والواسع الذي يؤدي إلى الهلاك؟

يسوع يدعو أمواتاً من ليس فيهم روح الله الذي يرفع الإنسان إلى مقياس الأبدية: "جئت لتكون لهم الحياة وتكون لهم أوفر" (يو 10/10)

4.أ      شارك   في  سرّ  التجسّد

صار مثلنا ليُصيّرنا مثله، "تأنْسَنَ" ليؤلّهنا، أخذ ما لنا ووهبنا ما له، حلّ بيننا، سكَنَ فينا لنَسكُنَ فيه.

جسده هذا أصبح خبزاً، جسراً قائماً بين الأرض والسماء.

"إن لم تأكلوا جسد ابن البشر وتشربوا دمه فلا حياة لكم في أنفسكم" (يو 6/35)

"لا تستطيعون أنتُم أن تُثمروا إن لم تثبتوا فِيَّ". (يو 15/4أ)

 

إذا تمثّلتَ بتواضع المسيح تثبُت فيه وتشارك في سرّ التجسّد، سرّ "الخدمة". "تجرّد من ذاته متّخذاً صورة العبد" (فيليبي 2/6-9)

إنّ التواضع يرفعك إلى قلب الله. يجعل منك سامرياً رحيماً آخر، "قريباً" لكل إنسان.

مريم هي أجمل صورة للثالوث: حقّق فيها حُلمه في الإنسان. إنّها القائلة: "أنا هي أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك"

4.ب    شارك   في  سرّ  القيامة

"قاين، قاين، ماذا فعلتَ بأخيك؟" هذا هو تأنيب الربّ للذين يزرعون الموت في جميع أشكاله.

"أما وقد متّم مع المسيح… وقد قُمتم مع المسيح، فاسعوا إلى الأمور التي في العُلى… أميتوا إذاً أعضاءكم التي في الأرض بما فيها من زنىً وفحْشاء وهوىً وشهوة فاسدة وطمع وهو عبادة الأوثان، فإنّ تلك الأشياء أسبابٌ لغضبِ الله… ألقوا عنكم كل ما فيه غضب وسخط وخبث وشتيمة. لا تنطِقوا بقَبيحِ الكلام ولا يكذِب بعضُكم بعضاً، فقد خلعتُم الإنسان القديم وخلعتُم معه أعمالَه، ولبِستُم الإنسان الجديد، ذاك الذي يُجَدّد على صورةِ خالقه…"  (قولسي 2/20؛ 3/1،5 –10)

 

تقول القديسة تريزيا دافيلا: "الله أعطانا ابنه، والروح القدس، والعذراء". وأنت ماذا تعطيه؟

ازرع في قلبك وحولك علامات القيامة كي تحصد المحبة والفرح والسلام.

 

5.        ما هي  أهدافك   في  الحياة؟

الله وحده يملأ فراغ قلبك. إذا كنت تبحث عن نفسك فاسعى إلى أن تعرف مشروع الله في حياتك فتجد الراحة والسلام.

سعادتك تتوقّف على اختباراتك وأهدافك. فإذا عِشتَ مكتفياً بذاتك، مستقلاً عن الله، جلست ذاتك على عرش إرادتك واختبرت الإحباط والحيرة، الحزن والخوف.

إن السعداء هم الذين وجدوا لأنفسهم أهدافاً قوية يجاهدون لتحقيقها. وتشمل أهدافهم تحقيق مشيئة الله من خلال خدمة الآخرين.

ما هي الأهداف التي تكافح من أجلها؟ هل وضعتَ هدف القداسة ولو مرة في جدولك؟

 

6.        التجارب

ليست ظروف الحياة هي التي تُبعدنا عن الله، إنما هي طريقة تفكيرنا ومواجهتنا للظروف، إنه ضعف إيماننا وإرادتنا في طلب العون من الروح القدس.

في بعض الأحيان، يكون من المستحيل أن نفهم معاملة الله لنا، لأننا نفتقر إلى الرؤية الإلهية . فالله لا يرى الظروف الحاضرة فقط.

نحن الذين نعيش بحسب الروح علينا أن نؤمن: "أن جميع الأشياء تعمل معاً لخير الذين يحبون الله" (روم 8/28)

هذه الآية لا تقول أن كل الأشياء خير ولكن أن كل الأشياء تعمل معاً لخير الذين يحبون الله…

كل إنسان لا بدّ أن يواجه التجارب فالله لم يعدنا بأنه لن تصادفنا المشاكل ولكنه يعرف حدود إمكانياتنا.

"انظروا يا اخوتي إلى ما يُصيبكم من المحن نظركم إلى دواعي الفرح الخالص. فانتم تعلمون أنّ امتحان إيمانكم يلد الثّبات…" (يعقوب1/ 2-3) التجارب تجعلنا ننمو روحياً وتشدّد إيماننا.

الله يعلم ما نحن وما نحتاج إليه. فطوبى للمؤمن الذي يستطيع أن يثق بالله ويشكره حتى عندما يبدو كل شيء قاتماً.

"اشكروا في كلّ شيء لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم" (1 تس 5/18)

أشكر الله حتى في التجربة على وجوده معك، على إعطائه إيّاك الفرصة كي تبرهن عن إيمانك ورجاءك فيه.

 

7.        أطلب  أوّلاً  ملكوت   الله

الله يهتمّ في كلّ جوانب حياتك. أنتَ اعمل أوّلاً على أن تكون "خادمه" المخلص الأمين. (متى 6/31-33)

"لا تهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبَس؟ فهذا كلّه يسعى إليه الوثنيّون، وأبوكم السماويّ يعلم أنّكم تحتاجونَ إلى هذا كلّه. فاطلبوا أوّلاً ملكوته وبرّه تُزادوا هذا كلّه."

راجع نفسك على ضوء الخطوات المذكورة حتى الآن وعلى ضوء ما يلي:

 

العلامات  الدالة  على  الإنسان  الروحي:

- إنه من يعمل بحسب وصيّتي يسوع: "أحبب الرّبّ إلهك بكلّ قلبك، وكلّ نفسك، وكلّ قوّتك، وكلّ ذهنك، وأحبِب قريبك حُبّك لنفسك" (لوقا 10/27)

- إنه ممتلئ بالروح وقلبه مترنّماً، عنده روح الشكر وهو خاضعاً في حياته لمشيئة الله

- تنبع قراراته في الصلاة ومن خلال الإصغاء للروح والتأمل في كلمة الإنجيل

- تعلّم أن يقبل نفسه على ما هو عليه، بما فيه من نقاط قوة أو ضعف، ويحاول أن يتبع برنامجاً ليتغلّب على نقائصه

- يقبل الآخرين ويحبّهم ويسعى إلى فرحهم وخدمتهم

- يتجاوب بمشاعره مع من حوله

- ينشغل بأموره الشخصية إلى الحدّ الذي لا يشعر فيه باحتياجات الآخرين

- يتحمّل المسؤولية وهو جدير بالثقة

- إنه مستعدّ أن ينحني عند الضرورة ويعيد ترتيب برنامجه وحياته عندما تستدعي الظروف. إنه مَرِن خلاّق

- يتمتّع بالهدوء الكافي والإيجابية، فمتى صادفته ظروف مضادّة يقوى إيمانه وإصغاءه للروح

- لا يشعر بأنه مهدّد عندما يراجعه شخص آخر مصحّحاً آرائه أو عندما يقترح عليه طريقة أفضل مما لديه

- الإنسان الناضج روحياً هو الإنسان الناضج عاطفياً، فكرياً، انسانياً.

 

خاتمة:

ورد في رسالة القديس يوحنا الأولى في الآية 13 وما يليها:

كَتَبتُ إليكم يا بَنِيَّ: إنّكم تعرفون الآب

كَتَبتُ إليكم أيُّها الشّبّان: إنّكم أقوياء وكلمة الله مُقيمةٌ فيكم فقد غلبتُم الشرّير"

 

أنت أيضاً من أولئك الشبّان الذين عَرفوا الآب. وبشكل أو بآخر قد وجدت المسيح في حياتك وسمعته يقول لك: "لا تخف، فأنا قد غلبتُ العالم". فهل العالم وشهواته ما زالوا أقوى من إرادتك وقلبك وروحك؟ هل أنت صادق في كونك خاصّة المسيح؟

تذكّر أنه بروحه القدوس، يستطيع أن يقود حياتك ويوجّه أفكارك ومشاعرك وتصرفاتك. فالحياة التي تسودها الذات بائسة، أما الحياة التي يسود عليها المسيح فهي مثمرة، مليئة بالثقة والسلام…

ردّد في قلبك: "أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني" (فيلبي 4/13)

 

 

باركك الله… وأنعم عليك بروحه القدوس وجعلك "مرآة" تعكس المسيح…

                                                                                                                                   

الأخت لينا من الراهبات السالزيان

                                                                                                                                    11 حزيران 1999