الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2008

 

 

التوجيه الرسولي لعام 2008

 "روح الرب نازل عليّ

لأنّه مسحني لأُبشّر الفقراء

وأرسلني لأُعلن للمأسورين تخلية سبيلهم

وللعُميان عودة البصر إليهم

وأُفرِّج عن المظلومين

وأُعلن سنة قَبول عند الرب" (لوقا 4/18-19).

 

لنُربِّ بقـلب دون بوسكو

ساعين إلى نمو حياة الشباب بكاملها،

مفضّلين الأفقر منهم  والأقل حظّا،

وجاهدين في سبيل حقوقهم.

الأب باسكوال تشافيز

الرئيس العام

 

 

 

يأتي التوجيه الرسولي لعام 2008 متابعة وإكمالا لتوجيه العامين السابقين، أي بعد التوجيه المكرّس للعائلة (2006) والتوجيه المكرّس للحياة (2007). العائلة مهد الحياة، تحتضنها وتنمّيها، والحياة تربطنا بمصدرها الأوّل، أي الله تعالى،" الإله الحيّ"، "المحبّ للحياة". أما التربية، وبالنسبة إلينا، التربية بقلب دون بوسكو، فهي السبيل المفضّل لنتمو الحياة وتزدهر وتكتمل في كل ولد وشاب، في كل فتاة وشابّة نحن مسؤولون عنهم

 

مقدّمة التوجيه مؤلّفة من آيتين من إنجيل لوقا، وهما استشهاد من النبي أشعيا (61/1-2)، يُعلن به بُشرى الخلاص؛ فيسوع طبّق على نفسه قول النبي، مُعلنًا أنّه لم يأتِِ فقط ليخلّص الإنسان من الخطيئة، أو ليخلّص النفس، بل ليخلّص الإنسان، كل إنسان، بكامله، روحًا وجسدًا، ومن جميع أنواع العبودية، والاستغلال، والتهميش، والانحطاط. فهذا الخلاص الذي باشره يسوع، سوف يتحقّق كاملا في نهاية العالم، ولكن يكون، في الوقت عينه، التزام عمل لكل مسيحي يريد أن يتعاون مع المسيح ومع الكنيسة التي هي امتداد رسالته، في سبيل تحرير الإنسان من عبودية الخطيئة والجوع والألم والظلم، وللدفاع عن كرامته وحرّيته. فالإنجيل خير ضمان لكل ذلك (راجع فرح ورجاء، 41).

 

ونحن، أعضاء العائلة السالسية، مدعوون هذه السنة إلى المشاركة في رسالة المسيح والكنيسة الخلاصية بالحفاظ على هويّتنا السالسية في الصميم، أي بسلوك مسلك دون بوسكو، أي التربية، وبتطبيق أسلوبه التربوي، في سبيل خلاص الشبيبة خلاصا كاملا وشاملا، مفضّلين الذين هم أقلّ حظّا وأكثر حاجة. ونستطيع القول بإنّ توجيه الرئيس العام يحدّد بكل وضوح الأهداف، والمستهدَفين، والوسائل لتحقيق رسالتنا.

 

  1. الانطلاق من الحياة

 

الحياة هي نعمة الله الكبرى. ولأنّه هو الحياة بالذات ولأنّه "محبّ للحياة"، أراد أن يكون الإنسان، ملك الخلق، على صورته ومثاله. فالحياة البشرية هبة ثمينة ولكنّها دقيقة ورقيقة؛ إنّها بحاجة إلى عناية متواصلة لتنمو وتتكامل، ولا يتمّ ذلك إلأّ بمشاركة عناصر مختلفة تعمل معًا، ولو بأدوار خاصّة. تتفتّح الحياة في العائلة، تنشأ وتنمو وتتقوّى فيها، فالعائلة إذن هي المهد الطبيعي للحياة، وواجبها الأساسي توفير الظروف الملائمة لكي تترسّخ الحياة في كل أبعادها. ولكن لا ينحصر نموّ حياة الإنسان ضمن حدود العائلة. لأنّ الإنسان، مثل العصفور، يصبو إلى أن يخرج من العشّ ويطير، وأن يطير وحده. ولكن هناك محطّات ومراحل يجب أن يمرّ الإنسان عبرها حتّى ينضج ويكتمل ويستطيع بالتالي أن يكون مستقلاّ وصاحب القرار، والقرار الصواب، في ما يتعلّق بحياته ومصيره. بمثال آخر، وجذوره إنجيلية، تُشبه ألحياة الزرع، زرع جيّد زرعه الله، غير أنّه يحتاج إلى أرض جيّدة لينمو ويُثمر ثمرا جيّدا وغزيرا. الزرع خارج الأرض الجيّدة لا يثمر، كما لا يُثمر لولا اهتمام المزارع المتواصل. من يعمل في الزراعة يختبر يوميّا كم هو شاقّ علمه وكم يتطلّب من جهود حثيثة وصبر: عليه أن يتعب في الفِلاحة، في الزرع، في الرَيّ، في استعمال المبيدات للحشرات أو للأعشاب المُضرّة، في الحصاد...، ثمّ أن ينتظر بصبر...، وبعد كل ذلك قد يحصل ما كان غير متوقّع، لأنّ البرَد أو الصقيع أو كوارث طبيعية أخرى أضرّت بالحصاد وأعادت إلى نقطة الصفر أتعاب المزارع.

 2. المربّي كالمزارع

 

صورة الزرع وعمل المزارع يمثّلان جيّدا ما يحدُث في حياة الإنسان: إذا كانت العائلة الأرض الجيّدة لكثير من الأولاد، نعلم أنّ هناك عددا كبيرا، وكبيرا جدّا من الأولاد الآخرين، غير المحظوظين، الذين لا يتمتّعون بهذه الأرض  الجيّدة ولا يجدون في البيت، لكثير من الأسباب، المزارعين الصالحين والأكفّاء المهتمّين بهم كما يجب. لذلك ينمون مثل الزرع المزروع بين الشوك أو بين الأعشاب المضرّة، أو كالزرع المُهمَل في المرحلة التي هو بأمسّ الحاجة إلى عناية المزارع. فهنا يأتي دور المربّي الذي يتلقّى الزرع، أي الولد، كما هو ويقوم بما في وسعه لكي ينمو نموًّا سليمًا ويُثمر في حينه ثمارًا جيّدة. المربّي إذن مربّي الحياة، حياة الولد، بمعنى أنّه يسعى إلى تأهيل الولد ليتمكّن من تولّي زمام حياته بصورة مستقلّة وثابتة ليقودها ويوجّهها نحو هدف واضح ومعروف لأنّه وجد من عرّفه به وعلّمه كيفيّة بلوغه.

 3. من هو المربّي السالسي وماذا يزرع ؟

 

كمربّين مسيحيين مستلهمين ومطبّقين أسلوب دون بوسكو التربوي، نبشّر قبل كل شيء بقيمة الحياة ونعلن أن يسوع هو الحياة بالذات وأنّه أتى "لتكون الحياة للناس، وتفيض فيهم" (يو 10/10). مركزية المسيح إذن هي الأساس دوما، والرسالة التربوية المسيحية تندرج في إطار رسالة المسيح الخلاصية، لأنّها تهدف إلى إيصال مفعول الخلاص عبر التربية. لا نجهل أن التربية في حدّ ذاتها تتخطّى حدود الديانات، لأنها تتعلّق بالإنسان بغضّ النظر عن انتمائه الديني، ولكن التربية المسيحية لا تستطيع أن تجهل أو تتجاهل الوحي المسيحي، بل حضور المسيح بالذات كشخص حيّ وروحه المُحيي في حياة الناس، وتحديدًا في حياة الشباب. المسيح هو"الإنسان الكامل"، و"الإنسان الجديد" والمثال الأعلى، وبالتالي تجعل كلّ تربية مسيحية المسيح هدفا أعلى مشتركا لممارساتها، ولو اختلفت في الأسلوب.

في الواقع، لا تختلف التربية السالسية أساسًا عن سائر الاتّجاهات التربوية المسيحية، غير أنّها تحتفظ ببعض الخصائص التي تميّزها فيما بينها. شعارنا التربوي هو: "نبشّر من خلال التربية ونربّي من خلال التبشير"، أي تبشيرنا يستعمل التربية كوسيلة وتربيتنا ترتكز على الإنجيل، بمعنى أننا نبشّر الشباب بالحياة الجديدة التي أتى بها يسوع، نزرعها وننمّيها بوسائل تربوية تطال أبعاد حياة الشباب كاملا وتلبّي حاجاتهم المختلفة، الجسدية والروحية والثقافية والترفيهية، وهذا ما يسمّى التربية المتكاملة.

فالتركيز على يسوع المسيح يكون صريحا تارة أو ضمنيّا تارة أخرى، بحسب الظروف،  ولكن يبقى في جميع الأحوال، وفي كل مكان وزمان،  محور رسالتنا وهو العنصر الوحيد الذي  يعطيها معناها الحقيقي ويبرّرها. لسنا بحاجة إلى يسوع لنكون مربين، ولكن لا نستغني عنه لنكون مربّين مسيحيين ومربّين سالسيين.

وكما أن يسوع أرسِل ليبشّر الفقراء والمساكين، وليحرّرهم من قيودهم المختلفة، كذلك يُرسل كلّ عضو في العائلة السالسية عموما، وكل راهب سالسي وراهبة سالسيّة خصوصا، لتحرير الشبيبة، وبخاصة المحتاجين منهم، من القيود التي تحول دون عيش حياة كريمة ونزيهة، ولإطلاق ما فيهم من طاقات إيجابية قد لا تظهر بسبب المصاعب التي تعترضهم والضغوط الكثيرة التي تكبِتهم، ولمساعدتهم على البحث عن الحقيقة، وعلى الانفتاح على الرجاء، وعلى اكتشاف معنى الحياة ليعيشوا في حريّة أبناء الله بفرح ومسؤولية.

 4.التربوية السالسية

 

أما الوسيلة التي في أيدينا فهي "تربويّة دون بوسكو"، المتمثّلة بـ"الأسلوب الوقائي"، كما سمّاه دون بوسكو نفسه. في أيدينا كنز قد نجهل قيمته لأنّنا تعوّدنا عليه، ولكن من ينظر إلينا من الخارج يكتشف للحال أننا لدينا شيء صعب التحديد، ولكن فعّال، وفعاّل بشكل مميّز.

إسمعوا ما قاله للسالزيان الأب دوفلاليه Duvallet، أحد مساعدي الأبيه بيارAbbé Pierre  في مشاريعه التربوية: "لكم معاهد ومدارس ومراكز للشبيبة، ولكن لكم كنز واحد، وهو تربوية دون بوسكو. ففي عالم يشعر الشباب فيه بأنهم معرّضون للخَدع، للظلم، وللاستغلال، قد سلّم الرب إليكم تربوية يسود فيها احترام الولد واحترام عظَمته وضُعفه وكرامته كابن لله. لذلك، حافظوا عليها، جدّدوها، استحدثوها، أَغنوها بكل الاكتشافات الحديثة، كيّفوها مع حاجات شبيبة اليوم ومع مآسيهم، تلك المآسي التي لم يعرفها دون بوسكو. ولكن، أرجوكم، حافظوا عليها! غيّروا كل شيء، تخلَّوا عن مؤسّساتكم، إذا كان ذلك ضروريًّا، ولكن حافظوا على هذا الكنز، وصوغوا في ألوف القلوب كيفيّة التعاطي مع الشباب بمحبة وكيفية إنقاذهم، فهذا هو إرث دون بوسكو".

فمن اتّخذ دون بوسكو معلّمًا له يعي عظمة دعوته، يشكر الرب عليها كل يوم، ويطلب إليه أن يكون جديرًا بها وأهلا بأن يشهد لها في ممارساته التربوية.

لا شكّ أن الأب دوفاليه أصاب في استعمال كلمات تعبّر في العمق عن أسلوب دون بوسكو وممارساته التربوية:

  • احترام الولد، وهو ناتج من الكرامة المتأصّلة في شخصه لكونه إنسان كامل، ولو لم ينضج بعد؛
  • عظمة الولد وضعفه في آن واحد: إنّه عظيم لأن كل إنسان عظيم، ولكن ضعيف، وبالتالي فهو بحاجة إلى حماية خاصة؛
  • كرامة الولد تكتمل بكونه ابن الله.

 

هذه القِيَم الأساسية "كنز"، أي شيء نفيس، يجب أن نقدّره كما يجب، وأن نحرِص عليه ونستثمره أحسن استثمار بتجديده وتحديثه، أي بتكييفه مع حاجات شبيبة اليوم.

 

 

 

 

 5. تحدّيات اليوم وتطبيق الأسلوب الوقائي

 

التحدّيات التي أمامنا كثيرة ومتنوّعة، ولا ندّعي بأننا قادرون على مواجهتها بنجاح، ولكن يجب أن نعلم، كتلاميذ دون بوسكو، بأننا لدينا سلاح مفيد لمقاومتها، ولكن قد لا نُحسِن استعماله، وبالتالي تكون النتائج تحت المتوقَّع.

التحدّيات الكبرى هي مسألة الحياة بكلّ أبعادها، والتهديدات التي تعرقل نموّها، بل تهدّد وجودها (راجع التوجيه الرسولي لعام 2007)؛ مسألة العائلة والتغييرات العميقة التي حصلت فيها، بحيث تعجِز اليوم، في أغلب الأحيان، عن تقديم توجيه تربوي فعّال لأولادها (راجع التوجيه الرسولي لعام 2006). أمّا في هذه السنة، فبالتركيز على التربية والدفاع عن حقوق الأنسان، وبخاصة عن حقوق الأولاد، نريد أن نُسهم إيجابيا في تنمية الإدراك بأهمّيّة التربية في زرع المبادئ ونشر القيَم الإنسانية والأخلاقية والمدنيَّة الأساسية، الضرورية في الحياة الشخصية وفي الحياة العامّة، كما ونريد أن نلقّنها الأجيال الجديدة. فكل تمادٍ في السلوك يجب أن يكون مناسبة لتذكير الشباب بما يُنتظَر منهم في الحياة الاجتماعية. فما هو على المحكّ إنّما هو الخير العام لكل مجتمع وللأسرة البشرية جمعاء. وهذا أمر ملحّ أليوم، أكثر من أي وقت مضى، في الشرق الأوسط عموما، وفي لبنان خصوصا، ليستعيد الشباب ثقتَهم بالحياة الاجتماعية، ويزيد حرصهم على الانخراط فيها والمشاركة في تطويرها.

فالخطوط العملية التي يرسمها أمامنا الرئيس العام ثلاثة:

أن نربّي بقلب دون بوسكو؛
أن نُعنى بتربية الشباب تربية شاملة ومتكاملة؛
أن نجهد في سبيل حقوق الإنسان

 

 6. التربية بقلب دون بوسكو

 

المعنى الحقيقي لهذا التعبير لا يكمن في مجرّد تطبيق وتفعيل الركائز الثلاث للأسلوب الوقائي (العقل، الدين، والمودّة)، إنّما يتطلّب منا القيام بعمليّة مُسبقة، تخصّ القلب، أسمّيها "تنشئة القلب"، ليتمثّل بقلب دون بوسكو، الذي كان بدوره يتمثّل بقلب يسوع، الراعي الصالح. هذه العمليّة شبيهة بتلك التي يتحدّث عنها النبي حزقيال، عندما يقول الرب لشعبه: "أعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا وأنزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلبا من لحم" (حز 36/26). المقصود بهذه الكلمات أن الأزمنة الأخيرة، أي الأزمنة المشيحية (ابتداءً من مجيء المسيح) ستمتاز بفيض غير مألوف للروح ومواهبه يتحقّق في نمط جديد للتفكير والعيش والعمل. فتنشئة القلب تعني إذن التأصّل في محبة الله التي وحدها تولّد المحبّة الحقيقية للآخر وبذل الذات في سبيله، بحيث يتحوّل الالتزام التربوي إلى تعبير عن الإيمان وعلامة منظورة وملموسة للمحبّة الإلهية للشبيبة. كتب دون بوسكو: "إن ممارسة الأسلوب التربوي الوقائي بكلّيته ترتكز على كلمات بولس الرسول القائل: "المحبة حليمة مترفّقة، تحتمل كل شيء وتصبر على كلّ شيء (1 قو 13/4)". فهذه من أجمل صفات الله. نستنتج إذن من ذلك أنّ أسلوب دون بوسكو متطلّب جدّا، لأنّه يكون التزامًا روحيًّا ذاتيًّا قبل أن يكون ممارسة تربوية.

عمليّا تتجسّد مظاهر المحبة بقلب دون بوسكو بمواقف تربوية معيّنة تشكّل ميزة أسلوبه، أذكر أبرزها وأهمّها:

  • القُرب من الشباب، بالقلب والفعل، بمعنى أن المربّي ينسجم مع حياتهم بكل ما فيها من أفراح وأحزان ومشاكل: "يكفي أن تكونوا شبيبة لأحبّكم كثيرا"؛
  •  المشاركة، بمعنى أن المربي يشارك بطيبة خاطر في مبادرات الشبيبة ونشاطاتهم: "الأستاذ الذي يبقى وراء مكتبه ليس إلاّ أستاذا: أمّا إذا قاسم الشبّان أوقات لهوهم فإنّه يغدو بمثابة أخ لهم"؛ (دون بوسكو، رسالة من روما
  • المرافقة، بأن يكون سندًا يتّكل عليه الشباب بثقة: "الأُلفة تُفرز المحبة والمحبّة تولّد الثقة، وهذا ما يشرح القلوب"[...] و"يخلق تيارا كهربائيا بين الشبّان ورؤسائهم" (الموضع عينه
  • الحضور التربوي، بأن يكون دومًا الأذُن المصغية والعين الساهرة والحنونة لتوجيه في الوقت المناسب كلمة تشجيع، أو كلمة لوم أحيانا، دون القيام بأيّ ضغط أو المسّ بكرامته؛
  • الشهادة، بأن يربّي بالفعل قبل أن يربّي بالكلام: "لا تكتفوا بمحبّة الشبيبة فقط، بل أن يعرف هؤلاء بأنّهم محبوبون" (الموضع عينه
  • المناداة بأهمّية اكتشاف الدعوة الذاتية ومساعدة الشباب على اكتشافها واتّباعها بحرية ومسؤولية.

 

أمّا الشبيبة المفضّلون لدى دون بوسكو والذين من أجلهم ضحّى بحياته، فهم الأكثر حاجة والأقل حظّا، فإعادة اختيارهم، كما يدعونا الرئيس العام، يعني أننا لا نزال نتمسّك بقول دون بوسكو: "لقد عاهدت الله أن أقدّم حياتي حتّى الرمق الأخير في سبيل شبيبتي المُعوِزين"، ونراهن أيضًا على صحّة عبارته الشهيرة الأخرى: "في كل شابّ، مهما لفّه الشقاء، وتر يرنّ للخير، فواجب المربّي أن يكتشف هذا الوتر ويعزِف عليه".

 

  1. التربية الشاملة المتكاملة

 

هي التي تنطلق من الشابّ كما هو وتنظر إلى كل جوانبه لتبلغ به إلى السعادة الناتجة من تفتُّح الشخصية واكتمال نموّها. كان دون بوسكو يقول للشباب: "لي رغبة واحدة: أن أراكم سعداء في هذه الحياة وفي الأبدية"، قناعة منه بأنّ كلّهم مدعوون إلى السعادة. فالصرح التربوي الذي بناه، والأسلوب الوقائي الذي وضعه، والنابع من نظرته المتفائلة إلى الشبيبة، ركّزهما على السعادة الزمنية والأبدية كدافع قويّ ليشجّعهم. لذلك كتب البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته في دون بوسكو "أبو الشبيبة" (1988): "يجب ألاّ نأخذ [الكلمة وقائي] بمعناها اللغوي، بل بمعناها الشامل، أي في إطار غِنى كل الخصائص التربوية النموذجية التي ابتكرها هذا القديس: [...] استباق عدم التمادي في اتخاذ التجارب السلبية التي قد تشوّه طاقات الشباب وتُجبرهم على القيام بجهود مُضنية وطويلة للتعويض عنها" من جهة، ومن جهة ثانية، "فنّ التربية الإيجابية من خلال طرح هدف الخير بواسطة اختبارات ملائمة وجذّابة ترتكز على شعور الشبيبة بسموّها وجمالها، وفنّ تنشئة الشبّان بالارتكاز إلى الحرّية الداخلية لمواجهة الضغوط والشكليّات الخارجية، وفنّ غزو قلوب الشبّان لتوجيههم بفرح وقناعة نحو الخير وإصلاح انحرافاتهم، وإعدادهم للغد بتربية صلبة لطباعهم"  (عـ 8).        

 

ونحن اليوم نسير على خطى دون بوسكو في تطبيق التربية الشاملة المتكاملة:

  • كلّما نجدّد ثقتنا بتربية تستبق الشرّ من خلال الثقة بالخير؛
  • كلّما نجدّد طريقة المرافقة بثبات وصبر؛
  • كلّما نُعنى بتنشئة أشخاص متضامنين، منفتحين على قيم الحياة والإيمان، واثقين بأنفسهم وبالآخرين، مستعدّين لتحمّل المسؤولية وللمشاركة في مبادرات تهدف إلى خير الآخرين بروح الخدمة والمجّانية؛
  • كلّما نؤهّلهم لأن يعطوا معنى لحياتهم، ويعيشوا بفرح ومسؤولية، ونشجّعهم على أن يحلُموا أحلاما كبيرة تفتح أمامهم آفاقا غير متناهية...

 

 

 

 8. العمل في سبيل حقوق الإنسان

 

هذا الموضوع حديث نسبيًّا، ولم يكن رائجًا في عصر دون بوسكو، مع أنّ طرحه الأول بالمفهوم الحديث يعود إلى الثورة الفرنسية. أمّا دون بوسكو، فبدون أن يعرف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، ولا اتّفاقيية حقوق الطفل (1989) عمل بروح هذه الوثائق التي تعتبر اليوم مرجعًا أساسيًّا لكل البلدان والمجتمعات المتحضرة. أكتفي بذكر اتّفاقيات العمل التي أرغم دون بوسكو أرباب العمل على توقيعها حمايةً ودفاعًا عن حقوق العمّال الصغار، فكان رائدًا في ذلك. كما وأذكر أن دون بوسكو، على مرّ السنين، أدرك أن عمله التربوي مع الصبيان المُعوزين والمشرّدين له بُعد اجتماعي، بل سياسي بارز، ولو فضّل دائما التدخّل الفوري على المناقشات الاجتماعية والسياسية العقيمة، ونتائج عمله ملموسة ومنظوره في كل أنحاء العالم، ويعترف بها حتّى الذين يفكّرون تفكيرًا مختلفًا. ومثال ذلك ما كتبه لأحد مربّيه تلميذ قديم للسالزيان، سانْدْرُو بِرْتِيني Sandro Pertini، الذي أصبح فيما بعد اشتراكيًّا مُلْحِدًا ورئيس جمهورية إيطاليا: "إني أدرك اليوم أن الحب غير المحدود الذي أُكنّه للمظلومين التعسين بدأ ينشأ فيَّ لمّا كنت أعيش بالقرب منك. إن حياة قدّيسك الجديرة بالإعجاب لقّنتني المبادئ الأولى لهذا الحب".   فالوقوف إلى جانب الفقراء والمظلومين، خاصّة إذا كانوا أطفالا وشبيبة، لحماية حقوقهم وللدفاع عنها، واجب سالسي أساسي، وامتداد لما قام به دون بوسكو، ولو بوسائل مختلفة، لأن الظروف قد تغيّرت.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن أحد السالزيان انضمّ مؤخّرًا إلى هيئة أُمَميّة تهتمّ بشؤون الشبيبة، وكذلك في فرنسا الأب جان ماري بتيكْلير Jean-Marie Petitclerc الذي لبّى دعوتنا وزارنا في لبنان قبل بضع سنوات، عُيِّن مستشارا لوزير الشؤون الاجتماعية، كخبير في قضايا شباب الضواحي، وأن مؤتمرًا سالسيًّا عالميًّا حول حقوق القاصرين يكون قيد الإعداد برعاية النمظّمة VIS. فيدلّ كل ذلك بوضوح على أن المجتمع الدولي يعترف اليوم بفضل دون بوسكو وأبنائه وبخبرتهم في الشأن التربوي والاجتماعي على الصعيد العالمي.

 

عمليًّا نعمل في سبيل حقوق الإنسان، وبالتالي في سبيل تغيير المجتمع، عن طريق الوقاية والتدارُك :
كلّما نربّي على احترام الحياة في كلّ مراحلها ومظاهرها؛
كلما نربّي على السلام وعلى حرّية تحترم الجميع؛

  • كلّما نربّي على حياة اجتماعية أوثق عُرًى لأن من واجب الإنسان، بدءًا من صِغَره، أن يعتني تدريجيًّا بإخوته وأخواته في الإنسانية دون أي تمييز؛
  • كلما نحمي الأطفال بشجاعة من جميع أنواع الاعتداءات والاستغلال التي قد يتعرّضون لها في البيت أو في المجتمع.

 

ولا ننسَ أن موضوع حقوق الإنسان ولغتها ينسجمان تماما مع تربوية دون بوسكو التي تكيّفت بسهولة نسبية مع الثقافات المختلفة وحتّى مع الديانات غير المسيحية (راجع "أبو الشبيبة" 11)، لأنّها في خدمة الإنسان والإنسانية عبر التركيز على تربية إنسانية ومدنية سليمة ("المواطن المخلِص" الذي كان يتحدّث عنه دون بوسكو)، وباستعمال لغة المحبّة، وهي لغة يفهمها الجميع.

 9. أهمّية العمل الجماعي في التربية السالسية

 

إنّه من الأهمّية بمكان أن نذكر أيضا أن تربويّة دون بوسكو تفضّل العمل الجماعي على العمل الفردي، ليس في ما يخصّ عدد التلامذة في مؤسّسة تربوية، أيّا كانت، بمعنى أننا نزيد فرحا كلّما زاد عدد الآولاد والشبيبة (التجمّعات الكبيرة)، إنّما بمعنى أنّ دون بوسكو لا يحب أن يعمل وحده لتحقيق أهدافه التربوية، بل يسعى إلى جمع أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين يشاركون اهتماماته، ويحرّكهم ويشجّعهم على "العمل معه" لخلاص الشبيبة، "النصيب الأضعف والأثمن في المجتمع البشري".  لذلك أسّس جمعية الرهبان محورا لصرحه التربوي، ثمّ أضاف إليهم الراهبات وأخيرا المعاونين كفرع ثالث للعائلة السالسية. فكلّهم سويّا يشكّلون "حركة واسعة من الأشخاص" يعملون في العالم باسم الكنيسة كقوّة رسولية هامّة، وتكمن قوّتها في اتّحادها في العمل وفي وحدة الأهداف. ولم يكتفِِ دون بوسكو بجمع أشخاص من حوله لمعالجة مشاكل الشبيبة، بل هزّ المسؤولين في المؤسّسات العامّة أيضًا وشدّد عليهم ليُدركوا خطورة هذه المشاكل، الناجمة عن الفقر والتشرّد والتهميش والاستغلال ودعاهم إلى معالجة الأسباب بأساليب وقائية مختلفة، لأن الوقاية خير من العلاج في جميع الأحوال. فهذا العمل الجماعي يتطلّب إعداد الأشخاص، أي تنشئة المربّين ليكونوا على المستوى الطلوب من هذه الرسالة السامية ومن التحدّيات التي تتضمّنها.

ولكن، مع أن تربوية دون بوسكو تحبّ التجمّعات الكبيرة، إلاّ أنّها تستهدف في تطبيقها الأشخاص، قردًا فردًا، لأن كل ولد شخصيا مخلوق "على صورة الله كمثاله"، ومدعو شخصيًّا إلى الخلاص بيسوع المسيح، صورة "الإنسان الجديد"التي يسعى دون بوسكو إلى صَوغها فيهم.

فمن يقبلون التربوية  السالسية ويستوحون روحانية دون بوسكو، يجب أن يتعوّدوا أيضا تدريجيًّا على الانطلاق من وجهة نظر الشبيبة، وعلى النظر إليهم نظرة إيجابية، وعلى الاقتناع بان التقدّم والتطوّر ممكنان، بدون أن يكون لنا الحق في تحديد الوقت والكيفيّة. لا أحد يعلم ما هو عمل النعمة الإلهية في قلوب الشبيبة، وبالتالي لا يحقّ لنا التدخّل فيه وممارسة الضغوط. دورنا أن نزرع، وأن نمهّد الطريق ليستولي الربّ في الوقت المناسب وكيفما يشاء على قلوبهم، واثقين بقدرة الشباب على الانفتاح على القيم الحقّة وعلى الإيمان.

و أخيرا يذكّرنا دون تشافيز "أن معرفة يسوع حقّ للجميع، فالتبشير به يجب أن يتمّ بدون ضغط، ولكن أيضا قبل أن تفوت االفرصة".

 

نشكر الرئيس العام على هذا التوجيه الغنيّ بالحوافز التربوية، ونلتزم بأن يكون خلال هذا العام الجديد نصب أعيننا الثابت في ممارساتنا التربوية الفردية والجماعية.

 

 

المراجع:

-         الأب باسكوال تشافيز: عرض موجز للتوجيه الرسولي 2008 (1/06/2007)

-         دون بوسكو أمير التربية (1988)

-         أقوال وحكم للقديس يوحنا بوسكو (1988)

-         تيريزيو بوسكو: دون بوسكو صديق الشبّان (1983)                                                       

 

إعداد الأب فيتوريو بوتسو السالسي