الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2007

 

التوجيه الرسولي لعام 2007

 

(إعداد الأب فيتّوريو بوتسو السالسي)

 

"إنّك تحبّ جميع الكائنات ولا تمقُت شيئا ممّا صنعتَ، لأنّ كلّ شيء لك، أيّها السيّد المحبّ للحياة" (حك، 11/24.26).

 

ليكن  حب  الله  للحياة  مصدر وحي  وتوجيه  لنا 

 

 

في عصر تتعرّض فيه الحياة  إلى أخطار مختلفة، نلتزم كعائلة سالسية 

بتقبّل الحياة بامتنان وفرح لأنّها هبة مقدّسة، غير قابلة للاعتداء عليها؛

  • ببذل كلّ جهد لنجعل من الحياة خدمة مسؤولة؛
  • بالدفاع الواثق عن كرامة كلّ حياة ونوعيّتها، وخصوصا تلك التي هي أكثر ضعفا وفقرا وبدون دفاع.

 

الأب باسكوال تشاقيز

الرئيس العام

 

 

يدعونا التوجيه إلى إدراك قيمة ثقافة الحياة واعتمادها اعتمادا كاملا، لأنّ هذه الثقافة ثقافة إنجيلية خالصة جعلت البابا الراحل، يوحنا بولس الثاني، يكتب عام 1995 رسالة عامّة بعنوان "إنجيل الحياة"، وكأنّ الحياة بالذات بمثابة إنجيل أو بُشرى يجب إعلانها والاحتفال بها والشهادة لها في جميع الظروف. فالحياة شيء مطلَق، لا مساومة عليها، كما لا مساومة على الإنجيل وعلى المبادئ الناجمة عنه.

سأتناول في حديثي موضوع الحياة انطلاقا من كلمة الله، مستعينا بالرسالة البابويّة وببعض الأفكار التي عرضها الرئيس العام، خاصّة في ما يتعلّق بالبرنامج السالسي في هذا المجال، مع العلم أنّ البرامج السالسية يجب ان تتميّز دائما بالواقعيّة وتطبيقها العملي.

 

1        -  سرّ الحياة

 

يتمثّل سرّ الحياة بسرّ الله بالذات، لأنّ الله حيّ ومصدر الحياة. فالأهمّية التي يعلّقها الكتاب المقدّس على هذا اللقب هي دليل على تقديره لقيمة الحياة. الحياة شيء  ثمين، ويبدو ذلك في مراحل الخلق، إذ تظهر الحياة في آخر مراحله، فخلق الإنسان في نهاية هذه المرحلة يأتي إكمالا لخلق  الكائنات الحيّة الأخرى: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تك، 1/26). ولكي يضمن لهذه الحياة الناشئة الاستمرار والنموّ، يمنح الله لها بركته (تك، 1/22 و28). فالخلق والبركة يعبّران عن حبّ الله للحياة،  كما يقول بكل وضوح سفر الحكمة: "إنّك تحبّ جميع الكائنات ولا تمقُت شيئا مما صنعت، فإنّك لو أبغضتَ شيئا لما كوّنته، وكيف يبقى شيء لم تُرِده، أم كيف يُحفَظ ما لم تدعُه؟ إنّك تُشفِق على كل شيء لأنّ كل شيء لك، أيّها السيّد المحبّ للحياة" (حك، 11/24-26). أمّا الطريقة التي بها يعطي الله الحياة فبنفخ روحه، لأنّ الروح نسَمة الحياة التي يجعلها الله في مخلوقاته.

 

من هذا المنطلق، فإنّ الحياة  شيء مقدّس ايضا، لأنّها تأتي من عند الله وبطريقة خاصة: فنسَمة الحياة التي ينفخها الله في الإنسان، يسترجعها لحظة الموت، فكل المرحلة الممتدّة بين البداية والنهاية، أي من المهد إلى اللحد، يكفُلها الله بحمايته، وتتمتّع بالتالي بنوع من القدسيّة تجعلها غير قابلة للاعتداءات عليها، لأنّ كل اعتداء على الحياة هو اعتداء على الله بالذات. فلأنّ الله يحمي الحياة، يحرّم القتل منعا باتّا ومطلقا: لا تقتل!

 

الحياة هبة بالنسبة إلى جميع المخلوقات، ولكن الإنسان وحده يعي معناها وقيمتها، وبالتالي يتقبّلها المؤمن كوديعة يجب أن  يردّها بعد استثمارها.، لأنّه على يقين أنّ هنالك حياة أخرى، أبديّة،  يدرك على ضؤئها أنّ واجبه الأول أن يصون حياته الأرضيّة ويُفضي بها إلى كمالها في الحب وبذل الذات لله وللآخرين. فصيانة الحياة والدفاع عنها في كلّ مراحلها ما تسمّيه الكنيسة "إنجيل الحياة"، بمعنى أنّ كل كائن بشري يتمتّع بالحقّ في أن تبقى حياته موضوع احترام كامل من بدايتها حتّى نهايتها. إن إنجيل الحياة هو جزء من إنجيل حبّ الله للإنسان ومظهر من مظاهره، وهذا هو سبب تشبّث الكنيسة بإعلانه والدفاع عنه، لأنّها تعتبر أنّ كل تخلِّ أو تنازل في صدده يعني التراجع عن القيام برسالتها الإلهيّة. فكلّما زادت الأخطار التي تتربّص بالحياة البشريّة، يرتفع صوت الكنيسة عاليا ومتحدّيا، بالرغم من تزايُد الاحتجاجات والاعتراضات على تعليمها.

 

2        -  ثقافة الموت ضدّ ثقافة الحياة

 

تتّجه شرائح واسعة من الجنس البشري، وبخاصّة في البلدان الغنيّة والمتطوّرة، نحو بناء عالم يستغني عن الله وشريعته، معتبرة أنّ  الإسان سيّد القرار في تحديد ما هو خير وما هو شرّ له وفي تحديد ما يناسبه، بدون أن يتدخّل أحد في قراره، ولو كان الله، وبالتالي كلّ ما يخصّ الحياة أيضا يُنزَع من السلطة الإلهيّة ليخضع لسلطة الإنسان، فردا كان أو جماعة أو حكومة، ويُدّعى أنّ الأكثريّة هي التي تحدّد ما هو صواب وهو خطأ. ويذهب بعض العلماء والمفكّرين إلى أبعد من ذلك، قائلين إنّ التقنيّة ستقوم مقام ألله أكثر فأكثر، وهي قابلة لتطوّر متنامٍ بدون حدود ولا قيود، بغضّ النظر عن المبادئ الأخلاقية الثابتة، وعن النتائج الوخيمة التي قد تؤدّي إليها. وكأنّ أخطاء الماضي وكل ما لحق بها من اختبارات سلبيّة  ومدمِّرة لم يكن.

 

ما نشاهده اليوم حملة عنيفة، مركّزة ومُقلقة على الحياة البشريّة تتمثّل بالجرائم المتعدّدة والانتهاكات المتكرّرة التي يرفضها كلّ ضمير مستقيم: القتل على أنواعه: قتل الأفراد والقتل الجماعي، الإجهاض والقتل الرحيم. وثمّة أنواع جديدة من الانتهاكات، مثل محاولات الاستنساخ البشري والإنجابي، إنتاج الأجنّة للأبحاث العلمية وإلغاء الأجنّة الفائضة، وغير ذلك من  الممارسات المخزية. ما كان يمارَس في الخفاء يمارَس الآن علناً وما كان قبل سنوات يمنعه القانون ويعاقبه، يُجيزه القانون عينه، تماشيا مع  تغيُّر الرأي العام. هنا وهناك يرتفع الصوت لتحرير البحث بخصوص الاستنساخ الإنجابي، ويعني ذلك تخفيف أو إلغاء كلّ القيود الموجودة حتى الآن في هذا المجال في أغلب البلدان. ففي الولايات المتّحدة مثلا، قرّرت ستّ ولايات دعم هذه الأبحاث بمبالغ هائلة (كاليفرنيا بـ 3 مليار دولار!...). وفي سنغفورا، حيث لا يوجد قانون ينظّم هذه الأمور الدقيقة،  تُعرض الأجنّة وخلايا بشريّة أخرى للبيع في كل أنحاء العالم عبر الإنترنت...  ثمّة من يدافع عن هذه الممارسات باسم الحرّية الفردية والتقدُّم ويطالب بموافقة الدولة  وبتغطيتها، بل بإدراج هذه الممارسات ضمن مشروع الأبحاث العلميّة المموَّلة أو حتّى ضمن الخدمات الصحيّة المقدَّمة.

 

هذا كلّه يُحدث انقلابا عميقا في النظرة إلى الحياة والعلاقات بين الناس ويشكّل ظاهرة مُمضّة وسبب انهيار أدبي جسيم قد يهدّد البشريّة برمّتها. وحتى الطبّ نفسه، المدعوّ إلى حماية الحياة البشرية والعناية بها، ينساق أكثر فأكثر إلى ارتكاب هذه الأفعال التي تستهدف الإنسان. ففي سياق ذلك تنتشر ثقافة الموت، أي الثقافة التي لا تنظر إلى الحياة كخير سامٍ وقيمة مطلَقة، بل كسلعة يُتاجَر بها، يُستفاد منها عند الحاجة، ثمّ يُلقى إلى سلّة النفايات بدون أيّ وخز ضمير. (راجع  إنجيل الحياة،3-4).

 

لا يظنّنّ أحد أن المجتمعات المشرقيّة على مأمن من هذه الجرائم والانتهاكات. مع أنّها ما زالت منضبطة نسبيّا، فإنّها معرّضة للأخطار الناجمة عن الجهل العام  للحقائق العلمية والأخلاقية لدى الناس من جهة، ولتلك الناجمة عن البرامج الإعلامية الهدّامة الموزّعة عبر الصحف والإذاعات والتلفزيون والشبكة العالميّة للإنترنت من جهة أخرى (راجع الرسالة الراعوية الثامنة لبطاركة الشرق الكاثوليك (2005) "العائلة مسؤولية الكنيسة والدولة"، 14-16). فثقافة الموت تنتشر عندنا أيضا ولو بشكل غير متظاهر، وأبرز ظواهرها العدد المتزايد من الإجهاضات في بلدان الشرق الأوسط، نهيك عمّا يظهر على الساحة العامة  من انتهاكات على الحياة البشريّة بشتّى أنواع العنف، ناجمة عن حالة الحرب في منطقتنا وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. فكمسيحيين ملتزمين لا نستطيع أن نتفرّج مكتوفي الأيدي، بل علينا أن نتبنّى قضيّة الحياة بجدّية وأن نكون رسل إنجيل الحياة في عائلاتنا ومحيطنا، مواجهين ثقافة الموت  بثقافة الحياة.

 

3 -  ثقافة الحياة

 

ترى الكنيسة اليوم أنّ واجبها الأساسي أن تتسلّح بالجرأة اللازمة للدفاع عن الذين يُنتهَك ما لهم من حقّ أساسي على الحياة وأن تعطي صوتا لمن لا صوت له، وتعني بذلك خصوصا الأولاد الموشكين أن يولدوا. فمن خلال الدفاع عنهم، تدعو الكنيسة إلى احترام الحياة، كلّ حياة بشريّة،  وصيانتها وحبّها وخدمتها وتتمنّى أن يكون جميع أبنائها وبناتها في طليعة الملبّين، مع أنّها توجّه نداءها أيضا إلى الطيّبين الحريصين على خير كلّ رجل وكل امرأة وعلى مصير المجتمع بأسره (إنجيل الحياة، 5). فالمعاونون، بحكم هويّتهم السالسيّة وتعبيرا عن إخلاصهم البنويّ للحبر الأعظم، يلبّون هذه الدعوة ويكونون في طليعة المبشّرين بإنجيل الحياة والمدافعين عنه.

 

حماية الحياة وتربيتها، واحترامها وحبّها، مهمّة وكَلها الله إلى كل إنسان؛ وقد دعاه، هو صورته الحيّة، إلى مشاركته السيادة على العالم, وحمّله مسؤوليّة مميّزة تجاه الحياة بالذات وتجاه بيئة الحياة. ولكنّ هذه السيادة ليست سيادة مطلقة، وكأنّ الإنسان والطبيعة يخضعان لقوانين بيولوجيّة وحسب، بل يخضعان لقوانين أدبيّة لا يمكن خرقها بدون الوصول إلى نتائج وخيمة. وتبدو المسؤولية المميّزة الموكولة إلى الإنسان تجاه البشريّة في الإنجاب بنوع خاص، الذي هو مشاركة حقيقية في عمل الله الخالق، فحضور الله في ألأبوّة والأمومة يجعل  من كل مولود بشري خليقة "على صورته ومثاله"، وكأنّ الإنجاب هو مواصلة لعمل الخلق. أمّا موقف الوالدين الأولّ فهو أن يستقبلا عطيّة الله وأن يفتحا، أمام حياة جديدة، الطريق إلى المستقبل (راجع إنجيل الحياة، 42-43).

 

ولكن مهمّة استقبال الحياة وخدمتها تتخطّى رسالة الوالدين وتتوجّه إلى الجميع، لأنّ المجتمع مسؤول عن حماية جميع أعضائه، وبخاصة أولئك الذين يخضعون لظروف الضعف، كالأطفال الذين لم يولدوا بعد، الأطفال بشكل عامّ، المرضى، المعاقين، المسنّين، المعذّبين الخ...: كلّهم تحت حماية الله، ولكن إخوتهم البشر هم المسؤولون المباشرون عن إظهار هذه الحماية والاعتناء بهم  ليتمتّعوا بحياة كريمة. فالإنسان عادة هو العلامة المنظورة والملموسة لمحبّة الله لأخيه الإنسان، وكأن الله يُظهر محبّته للبشر من خلال ممارسة المحبّة الأخوية، وبالتالي تصبح محبّة الآخرين العلامة الحقيقية الوحيدة لحبّنا الحقيقي لله (راجع 1 يو، 4/20).

 

وحي الإنجيل يثبّت قيمة الحياة في كلّ مراحلها وفي كل مظاهرها: تفرح أليصابات بأنّها حامل (لو 1/25)، يتهلّل يوحنّا المعمدان وهولا يزال في بطن أمّه (لوقا 1/40)، يسوع يستقبل الأطفال (مر 10/14)، يشفي المرضى ويقيم الأموات، يعلن الطوبى للمعذّبين بشتّى أنواع الأوجاع والأحزان، يعلن أيضا أنّه يحبّ الحياة، بل إنّه الحياة ويعطي الإنسان حياة جديدة، شريعته شريعة الحياة، وصليبه ينبوع الحياة للجميع. وكما أنّ رسالته كانت في خدمة الحياة حتى الموت، كذلك نحن مدعوّون إلى أن نبذل حياتنا من أجل إخوتنا، محقّقين بذلك، معنى وجودنا ومصيره.

 

إنطلاقا من مبادئ الإنجيل التي تتجذّر بدورها  في الوصيّة الرابعة "لا تقتل"، انتشرت ثقافة الحياة بانتشار المسيحيّة، مع أنّ بعض التجاوزات ظلّت موجودة في كلّ العصور والأماكن، وها نحن اليوم مدعوّون إلى أن نكون دعاة الحياة  بإعلان إنجيل الحياة بصوت عالٍ أمام عالم لا يريد أن يسمع بكلّ الحُجَج الممكنة، متذرّعا بحرّية القرار وخير المجتمع. نحن خدَمة إنجيل الحياة، أو، كما كتب البابا الراحل، يوحنّا بولس الثاني، "نحن شعب الحياة في خدمة الحياة" (إنجيل الحياة، 78)، أي علينا أن نتصرّف هكذا، واعين أنّ واجبنا ينبع من إدراكنا أنّنا مُرسَلون للقيام بهذه الرسالة، كلّ واحد منّا في ظروف حياة الخاصّة.

 

4        -  حياتنا إنجيل

 

ما دُمنا نستنير بإنجيل الحياة ، تتحوّل حياتنا إلى إنجيل، أي بُشرى موجّهة إلى الناس الذين من حولنا، فأمامها لا أحد يستطيع أن يكون محايدا.  ينظرون إلينا مُعجَبين أو منتقدين أو مُبغضين، ولكن دائما متسائلين: لماذا المسيحي الملتزم يعتمد قيَما وقناعات ومواقف معيّنة، ويتمسّك بنمط حياة لا يتماشى مع التيّار المهيمن على الرأي العام، بل غالبا ما يسير عكس التيّار؟ هل لمجرّد رغبة في التميُّز عن الآخرين؟ كلاّ، هناك قوّة روحيّة غير منظورة، وهي قوة الروح، تحرّكنا من الداخل وتوجّهنا وترسم لنا خطوط العمل. عندها ما يقوم به المسيحي الملتزم يكون ثمرة إيمانه الفاعل، ذلك الإيمان الذي أشار إليه يعقوب الرسول حينما كتب في رسالته: "أرني إيمانك من غير أعمال، أُرِك بأعمالي إيماني" (يع 2/18).

 

حياتنا إنجيل في خدمة خلاصنا وخلاص الآخرين بقدر ما تكون  بشرى حقيقيّة، أي تبشّر بالمحبّة بشكل ملموس. نحن، تلاميذ يسوع، مدعوّون إلى أن نكون "أقرباء" كل إنسان (لو 10/29-37)، مع إيثار ملحوظ للأكثر فقرا وعُزلة وحاجة. وما يقال في الإنجيل عن الناس عموما، ينطبق لدى العائلة السالسيّة على الشبيبة خصوصا، لأن الله دعا دون بوسكو وتلاميذه لأن يكونوا رسُل الشباب. لذلك، كما أنّ هناك طريقة سالسيّة للتعاطي مع الشبيبة، هنالك أيضا طريقة سالسيّة، أو بالأحرى، حسّ سالسي خاصّ للتعاطي مع المسائل المتعلّقة بالحياة.

 

5        -  البرنامج السالسي في سبيل الحياة: أفكار

 

أ‌)              همّنا الأولّ، كسالزيان، التربية، وهي مرافقة الكائن البشري طوال مراحل حياته في مسيرة مستمرّة ومتنامية لكلّ جوانب شخصيّته. وبنوع خاص، مرافقة جميع الذين ينفتحون على الحياة، أي الأطفال والشبيبة، بما لهم من تطلّعات وآمال، ومن تردّدات وعدم استقرار. ففي عصر يسود فيه التشاؤم واللامبالاة، وشعور الشبيبة بأنّهم كثيرا ما عائشون بعزلة وعلى هامش المجتمع، وأنّ مستقبلهم ملبّد بالغيوم القاتمة، واجب المربّي الأول أن يزرع في قلوبهم حبّ الحياة ويوصِلهم إلى إدراك  ما للحياة من قيمة إيجابية، ليواجهوها بحزم وشجاعة، ولينمّوا في داخلهم  العطش إلى بذلها في سبيل الخير والآخرين. النجاح في هذه الخطوة الأساسيّة، من شأنه أن يسهّل النجاح في الخطوات الأخرى الرامية إلى إقناعهم بأنّ الالتزام في سبيل الحياة، بأشكالها المختلفة، هو التزام في سبيل مستقبلهم ومستقبل العالم.

جوهر رسالة دون بوسكو إلى الشبيبة أنّ كل حياة دعوة، وقد تعلّم ذلك من أمّه. في نظره، لا يولد الإنسان تحت علامة الأبراج ولا نتيجة الصُدفة، ولا موسوما بالعار أو الشقاء، بالرغم من المظاهر،  بل تحت نظر الله المحبّ. ميلادنا يرافقه فعل خالق من قبل الله، يعبّر عن حنانه ويتضمّن دعوة. مع أنّ يوحنّا الصغير أمسى يتيما في الثانية من عمره، لم يشعُر قطّ بأنّه يتيم، كما لم يشعر بالإهمال والعزلة واليأس، لأنّه لم يشكّ  أبدا في قُرب الله منه. حياة دون بوسكو كلّها تبشّر بأنّ الله يحبّنا ويريد سعادتنا، وبالتالي إنّ الحياة، كلّ حياة، جديرة بأن تُقبَل وتُعاش كاملة. هذه رسالته إلى الشبيبة. ولا عجب إذن أنّه اختار إيقونة يسوع الممجّد، أي يسوع  الحيّ، المنتصر على الموت، ليُفهم تلاميذه قيمة الحياة وجمالها وهدفها. وكأنّه يقول لهم: "نحن أبناء الحياة؛ الحياة دعوة إلى السعادة؛ النجاح في الحياة هو التوافق بين ما أكون وبين ما أعيشه، أي أن أكون ما ينبغي أن أكون مع الله ومع الآخرين، (وهذا هو مشروع الله بالنسبة إلى كل واحد منّا)؛ الفرح أن أكون نفسي وأن أكون منسجما مع نفسي؛ وهذا الانسجام مع نفسي يجعلني أنفتح على حياة الآخرين لأحترمها وأكرّمها وأخدمها". رسالة دون بوسكو هذه ترسم أمامنا ما هو موقفنا من الحياة.

أمّا بالنسبة إلى مضامين التربية فلا بدّ أن تتضمّن موضوع الحياة بكل جوانبه: من معنى الحياة إلى مشروع الحياة، من احترام الحياة وكل ما يتعلّق بها، مثل الجنس وكرامة الجسد، ومصير العالم، وبالتالي مصير الحياة، المهدّد بقلّة الاكتراث الجدّي لقضيّة السلام أو لسهولة نشوب الحروب مع كل ما تجرّه من ويلات بالنسبة للأفراد والشعوب (قتلى، جرحى، انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية الخ...) أو قلّة الاكتراث أيضا للتلوّث وللشؤون البيئيّة، وغير ذلك...

 

ب‌)         ضمن اهتمام العائلة السالسية  بالعيلة (توجيه عام 2006)، يبرز الاهتمام  بالإنسان كشخص صاحب حقوق منذ البداية، أي منذ أن بدأ يتكوّن في بطن الأمّ. تتكلّم شرعة رسالة العائلة السالسية عن "حقوق يجب الدفاع عنها، وبخاصّة حقوق الأكثر ضعفا وتعرّضا"، وذلك من خلال العمل " لتنمية رأي عامّ مُفعَم بالقيم الإنجيلية والسالسية" (المادة 11). الرأي العامّ اليوم أبعد ما يكون عن هذه القيم، لذلك تشدّد هذه الوثيقة على تحديد مسؤوليّات العائلة السالسية في هذا المجال. فالمادّة 17، المكرّسة لـ "الهشاشة الاجتماعية للعيلة"، تشير إلى ما تواجهها العيلة نفسها من مسائل جديدة تتطلّب التزاما خاصّا من قبل أعضاء العائلة السالسية، علمانيين ومكرّسين، وتقول: "وهنا تبرُز المسائل الجديدة المتعلّقة بالديناميّات التي تُشرف على الإنجاب ونموّ الحياة البشرية وكذلك على ممارسات قد تنتهك حُرمة  الإنسان. فعلى هوامش الحياة البشرية، برزت بوضوح إمكانات ومسؤوليّات جديدة، بفضل الازدهار الرائع الذي حقّقته العلوم البيولوجيّة والطبيعيّة، والذي تزامن مع تقدّم التكنولوجيا المُذهِل" (العلمانيّون المؤمنون بالمسيح، 38).

إن ازدهار هذه العلوم والتقدُّم الحاصل في هذا المجال لا يعني أن كلّ شيء يسير وفقا لمشروع الله. العكس هو الصحيح، كما رأينا. لذلك يكمن عملنا، قبل كلّ شيء، في ترسيخ قناعاتنا بالنسبة إلى قيمة الحياة، وبالنسبة إلى الممارسات المسموحة والممنوعة، مع معرفة الأسباب العميقة الناجمة من الشريعة الطبيعيّة، من كرامة الإنسان، من إيماننا المسيحي، وليس من قانون الكنيسة أو من اعتبارات أخرى؛ ثمّ القيام بنشر هذه الأفكار عند الحاجة، أو حتّى المشاركة في حملة توعية وتوجيه قد تُطلقها الكنيسة أو جمعيّات هدفها دعم الحياة والدفاع عنها.  يذكّرنا يوحنّا بولس الثاني أن انتشار ثقافة الحياة هو عمل جماعي ، لا يتحقّق إلاّ بالتضامُن والتكاتُف بين جميع الذين يضعون أنفسهم في خدمة الحياة (إنجيل الحياة، 82 و91).

في الواقع، يظهر التزامنا المسيحي في الظروف الصعبة بنوع خاصّ، والالتزام  بالدفاع عن الحياة لعلّه اليوم أصعب التزام ويتطلّب شجاعة لا تأتينا إلا من يسوع المسيح ومن الروح القدس. ما أجمل رسالتنا وما أنفعها للأفراد وللمجتمع لو استطعنا أن نقدّم لأيّ كان مساعدة في اكتشاف معنى الحبّ والحياة لتكون كلّ أسرة "معبدا للحياة" أو "حرم الحياة"، أي مكان استقبال الحياة  ونموّها الطبيعي، ومكان التغلّب على المخاوف إزاء المسائل الناجمة عن انتظار مولود جديد أو عن بزوغه. 

 

الخاتمة

 

     خدمة إنجيل الحياة هي مهمّة واسعة ومعقّدة لا تقوم إلاّ على أفكار واضحة، إنسانيّا ومسيحيّا وعلميّا، وفي تطبيقها ابتداءً من الذات، ثمّ بنشرها ضمن الجماعات المسيحيّة، وأخيرا بتقديمها إلى العالم. إذا ما كنّا متمسّكين بثقافة الحياة، فكيف يمكننا أن نبني حضارة الحياة؟ وكيف نتمسّك بهذه الثقافة إذا جهِلنا المبادئ التي تقوم عليها؟ واجب كل مسيحي ملتزم، وبالتالي واجب أساسي لكل سالزياني معاون، أن يقوم بتنشئة ضميره الأدبي كي لا يتعرّض أبدا لزعزعة مبادئه بخصوص قيمة الحياة المطلقة وحقوقها. فتنشئة الضمير، ككلّ مسعى تربوي، لا تتحقّق إلاّ من خلال اعتماد نظرة جديدة إلى الحياة والولوج إلى نمط جديد من الحياة يجسّد القيم التي نؤمن بها، والأهمّ: تفضيل الكيان على المقتنى، تفضيل الأشخاص على الأشياء، الانتقال الجدّي من حالة اللامبالاة إلى حالة الالتفات إلى الغير، ومن حالة النَبذ إلى حالة الاستقبال (إنجيل الحياة 98).

 

     وفي الختام، وبوحي من هذا التوجيه الرسولي، نتوجّه إلى العذراء مريم، أمّ الحياة، بالصلاة التي ألّفها البابا يوحنّا بولس الثاني ووضعها خاتمةً لرسالته العامّة في إنجيل الحياة. فلتكن هذه الصلاة صلاتنا طوال هذه السنة ولنعمل بها:

يا مريم،

فجر العالم الجديد،

وأمّ الأحياء،

نكِل إليك قَضيّة الحياة:

أنظري، يا أمّنا، إلى ما لا يُحصى من عدد الأولاد

 الذين يُمنَعون من ان يولَدوا،

إلى الفقراء الذين أمست حياتهم صعبة،

إلى الرجال والنساء ضحايا عنف شرس،

إلى العُجّز والمرضى المقتولين بدافع اللامبالاة

أو بدافع شفقة كاذبة.

أعطي المؤمنين بابنك

أن يُعلنوا لأهل زماننا،

بحزم ومحبّة، إنجيل الحياة,

 إسألي لهم أن يتقبلوه

عطيّة دائمة التجدّد،

وأن يفرحوا بالاحتفال به بشكر

في كلّ مراحل وجودهم

وأن يشهدوا له بشجاعة ودأب نشيط

ليبنوا مع جميع الناس الطيّبين،

حضارة الحقّ والحبّ،

لإكرام وتمجيد الله خالق الحياة.

 

المراجع:

 

1)      التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: خدمة الحياة هي مهمّة الزواج والأسرة الرئيسة: 1653؛ الطبيعة المقدّسة للحياة البشريّة: 2258، 2319؛ كرامة حياة جسد الإنسان: 264؛ وغير ذلك.

2)      يوحنّا بولس الثاني، رسالة عامة "إنجيل الحياة"، 1995

3)      مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، "العائلة مسؤولية الكنيسة والدولة"، 2005

4)      المجمع البطريركي الماروني، النصوص والتوصيات، 2006: النص العاشر: العائلة المارونية (عدد 36:في اخلاقيات الحياة).