الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2005

التوجيه الرسولي لعام   2005

 "تجديد وجه الكنيسة، أمّ إيماننا"

 (تعليق الأب فيتّوريو بوتسو السالسي)

المقدمة

 

"أحبّ المسيح الكنيسة وضحّى بنفسه من أجلها... ليزُفّها إلى نفسه كنيسة سنيّة لا شائبة فيها ولا تغضُّن ولا ما أشبه ذلك، بل مقدسة بلا عيب"  (أف 5/ 25. 27).

 

-  بمناسبة الذكرى الأربعين لاختتام المجمع الفاتيكاني الثاني،

-  على ضوء الوثيقتين المجمعيّتين  "نور الأمم" في هويّة الكنيسة و"فرح ورجاء" في الكنيسة في عالم اليوم اللتين أبرزتا الكنيسة كشعب الله، وجسد المسيح السرّي، وأمّ المؤمنين، وخادمة العالم،

-  واعين أنّ "رسالة الكنيسة هي إيصال نور المسيح في كل حقبة من التاريخ وجعل وجهه يُشعّ أيضا أمام أجيال الألفيّة الثالثة" (نحو ألفية جديدة/ 16)،

 

-  نلتزم كعائلة سالسية في سبيل تجديد الكنيسة، أمّ إيماننا.

 

هذه هي حيثيّات التوجيه الرسولي الذي عيّنه الرئيس العام، دون باسكوال تشافِز، لهذا العام الجديد. هدفه إذن تشجيع جميع أعضاء العائلة السالسية على الالتزام في القيام بخطوات جريئة من خلال توظيف طاقاتهم لتكون الكنيسة أجمل وأكثر جذبا. فحبّنا للكنيسة والعمل من أجلها مقياس أمانتنا لدون بوسكو.

 

للتعمّق في الموضوع سأتحدّث أوّلا عن الكنيسة كأمّ إيماننا وأسباب حبّنا لها؛ ثمّ عن العائلة السالسية كواقع كنسي وعن الحسّ الكنسي الذي تتميّز به؛ وأخيرا عن بعض المواقف والممارسات السالسية التي من شأنها أن تُسهم في تجديد الكنيسة.

 

 

  1. 1.    الكنيسة، أمّ  إيماننا،  وأسباب حبّنا لها

 

جاء التأكيد أن الكنيسة أمّنا في رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية (4/26)، حيث يقارن بين العهدَين، القديم والجديد، وبين أورشليم الأرضيّة، أي أورشليم هذا الدهر، وأورشليم العُليا، أي السماوية، وبين ميزاتهما. فالميزة الفارقة بينهما أنّ بني أورشليم الأرضية، الخاضعين للشريعة، يعيشون في العبودية، بينما يعيش بنو أورشليم السماوية في الحرّيّة وينالون الخيرات التي أتى بها المسيح. يشير إذن القديس بولس بوضوح إلى أن المسيحيين هم الذين وُلِدو بحكم وعد الله، وبالتالي هم ذرّية إبراهيم الروحانية، والإشارة واضحة أيضا إلى أن الكنيسة هي أمّ هؤلاء.

 

          لقد تعوّدنا على القول بأن الكنيسة أمّنا ولربّما غاب عنّا معناه الحقيقي. الكنيسة أم لأن يسوع المسيح أسّسها ليأتي جميع الناس إليها، على مدى الدهور، ليستقوا من حضنها ملء الحياة وضمان الخلاص. فالرسالة التي تلقّتها من يسوع أن تلد أبناء وتربّيهم وتديرهم، ساهرة على خيرهم الروحي وعلى ظروف حياتهم الزمنية أيضا. الكنيسة جماعة إيمان ورجاء ومحبة، يولد المؤمنون في حضنها وينالون منها نعمة المعمودية التي من خلالها تتدفّق حياة المسيح فيهم فيصبحون أعضاء أحياء في جسده السرّي، وبالتالي قد ينمو فيهم الشعور العميق بأن علاقتهم بها علاقة بنوية بكل معنى الكلمة. أمّا الكنيسة بدورها وبعطفها الوالدي فتمنح المؤمنين مغفرة الله  كما وتقدّم لهم، يوما بعد يوم، غذاء كلمة الله والإفخارستيا.

 

          في الكنيسة يقوم كل واحد بالتزاماته في إطار الدعوة التي حدّدها له الله، على أن تكون العلاقة الذاتية مع الكنيسة الأمّ ومع أبنائها الآخرين علاقة عُضويّة، شبيهة بتلك التي تجمع بين أعضاء جسد حيّ وفاعل. إنّها تتميّز فعلا بكونها، في ذات الوقت، متنوّعة ومتكاملة، بتنوّع وتكامُل ما في الكنيسة  من دعوات وأوضاع حياة وخدمات ومواهب ومسؤوليّات. وبفضل هذا التنوُّع وهذا التكامُل، يصبح كلّ من المؤمنين على علاقة بالجسد كلّه ويُسهم بنصيبه في بناء هذا الجسد وفي خدمته.

         

          لا شكّ أن الكنيسة يبنيها ويرشدها الروح القدس، فالشركة فيها هبة كبرى منه، ولكن جميع المؤمنين مدعوّون لأن يتلقَّوا هذه الهبة بشكر، ولأن يشعروا في حياتهم شعورا جدّيا بمسؤوليّتهم. وهذا يتحقّق فعلا عن طريق مشاركتهم في حياة الكنيسة ورسالتها، واضعين بتصرُّفها خدماتهم ومواهبهم المنتوّعة والمتكاملة. لا يحقّ لأيّ مؤمن الانطواء على نفسه والتزام العُزلة الروحية أو الرسولية في الجماعة، بل يتوجّب عليه أن يعيش في مشاركة متواصلة مع الآخرين، وفي وعي عميق جدا للأخوّة، فضلا عن نيّته في أن يستثمر مع الآخرين الكنز الثمين الموروث. إن روح الرب يهب جميع المؤمنين عطايا كثيرة، وهو يدعوهم للاضطلاع بمختلف الخدمات والمهمّات، ويذكّرهم بأنّهم إذا امتاز أحدهم عن غيره فليس بمزيد من الكرامة، بل بأهليّته الخاصّة والإضافية للخدمة  وهكذا نتدرج، في إطار الشركة، مواهب الجميع وخدماتهم ومهمّاتهم.

         

          في صفحة جميلة جدا كتبها أحد كبار اللاهوتيين في القرن العشرين، وهو إيف كونغار، يسرُد أسباب حبّه للكنيسة ورفضه لأن يقف متفرّجا أو، أسوأ من ذلك، لأن يغسل يديه ويتبرّأ من أي مسؤولية. يقول (بتصرّف): "أحبّ الكنيسة قبل كل شيء لأنها أمّ كياني الروحي وأسرتي وموطني. لقد تساءلت مرارا هل لصلاتي و لإيماني من وجود لو صدرا منّي فقط؟ كان لديّ بعض الأجوبة، مثل جواب الكتاب المقدس الذي يُظهر العلاقة الدينيّة وكأنها علاقة عهد بدأت لتدوم إلى ما لا نهاية وتُعاش في إطار شعب أو جسم متراصّ؛ وجواب علم النفس الذي يُبرز كيف تتكوّن الشخصيّة بدمج الماضي والحاضر، وهما عنصران قادمان من غيرنا.

الكنيسة كانت ولا تزال هذا القالب الثقافي لإيماني وصلاتي، لأنهما يتغذّيان فيها ومن خلالها بإيمان وصلاة إبراهيم وداود والأنبياء وبولس وكبار القديسين والمفكّرين المسيحيين مثل أثناسيوس وأغسطينس وتوما الأكويني وفرنسيس وتريزيا الآفيلية وتريزيا الطفل يسوع. (...) رسّخت الكنيسة قاعدة إيماني والقناعات التي أنا بحاجة إليها لأحيا وأكون حرّا. فإن لم يكن هكذا، لقد تعرّضت لأن أكون مثل الزوبعة التي لها قوّة هائلة ولكن ليس لها من مُرتكَز وبالتالي من فاعليّة.

أثناء دراساتي المعمّقة في التقليد الكنسي، اكتشفت بأنّه أكثر بكثير من مجرّد نقل أفكار، وحتّى الأفكار التي ينقلها لا ينقلها كما ينقل المفكّر أفكاره أو بشكل مدرسيّ. فنقل الأفكار ضمن الكنيسة يتم من خلال القول المقرون بالفعل، وبخاصة من خلال الاحتفال الذي يعبّر عن كلّ المعاني ويأخذ بمجامع قلب المشاركين وحواسّهم. لقد نفذ إيماني بيسوع المخلّص إلى عمق كياني من خلال إشارة الصليب، وإيماني بالقربان الأقدس من خلال المناولة وأجواء الكنائس... لا أريد أن أميل إلى نظرة تجميلية أو رومنطيقية...، ولكن لماذا لا يتربّى كياني الروحي ككياني البشري بواسطة وسائل تتعلّق بالعاطفة وهي محسوسة أيضا، مع أنّها  مُفعَمة بالروح؟ (...).

تحمل كنيستي بعض التجاعيد على وجهها، وفيها عادات قد تكون بالية، غير أنّها تسعى باندفاع – وشأنها شأني أيضا، لأني لا أستطيع أن أترك شأنها للرعاة فقط -  لئلاّ تكون كنيسة الأمس في عالم اليوم، وإنّما الكنيسة الدائمة في عالم البشر كما يصنعه التاريخ . إنّها تعلم أن ماهيّتها الرسالة وبالتالي يكمن مستقبلها في أن تكون حاضرة لمستقبل العالم. لو انتظرنا أن تكون الكنيسة بلا عيب لننحاز إليها ونعمل من أجلها، لما كنّا قد بدأنا قطّ. (...)

          يجب أن ننظر إلى الكنيسة نظرة مستقبليّة، وكأنّها تاريخ يستمرّ، أي مهمّة ورسالة. لا يجوز الحديث عن الكنيسة بشكل متجمّد، لأنّها واقع متحرّك، يخضع في آن واحد لأمانة ربّها ومبادراته ولعمل كلّ واحد منّا..."

(راجع   Communion, 3,1970. Pr. de Taizé, p. 23-27 ).

 

          شأن الكنيسة إذن شأننا، حياتها حياتنا، مسؤوليتها مسؤوليّتنا، تطورها أو انحطاطها تطوّرنا وانحطاطنا، أفرادا وجماعات، لأننا كلّنا أعضاء وفعَلة فيها، رجالا كنّا أم نساء، شبابا أم مسنّين، مكرّسين أم علمانيين، أصحّاء أم مرضى، متموّلين أم فقراء... ارتباطنا بالكنيسة لا يخضع للجنس ولا للسنّ ولا لأوضاع الحياة المختلفة. إنّما يخضع لقبول نعمة الله والعمل بها لإغناء الكنيسة حيويّة وكثافة وقداسة. هذا هو الإطار الذي يندرج فيه وجود العائلة السالسية وعملها.

 

  1. 2.    العائلة السالسية واقع كنسي

 

هذا الواقع الكنسي هو المشاركة في روح دون بوسكو ورسالته مع ما يترتّب عليه من روابط بين المجموعات المختلفة ضمن العائلة، أي الرهبان والراهبات والمعاونين والمجموعات التي تأسّست بعدهم. تجمُّع هذه المجموعات الرهبانية والعلمانية يشكّل عائلة روحية كبيرة، نشأت من إرادة  دون بوسكو بأن يجمع أكبر عدد ممكن من القوى الرسولية  في وحدة عائلة متشعّبة ومختلفة لتحقيق رسالته لإنقاذ الشباب الفقراء والمشرّدين. فمرور أكثر من قرن على بقاء العائلة السالسية وعملها المشترك يُثبت أنّها واقع ملموس تخطّى بنجاح تحدّيات التاريخ، غير أنها لا بدّ لها من أن تتساءل باستمرار هل هي مواظِبة على أمانتها لدون بوسكو ولحاجات العصر.

 

          العائلة السالسية واقع كنسي يصبح علامة وشهادة لدعوة أعضائها للقيام برسالة خاصّة، بروح دون بوسكو، ويعبّر عن غنى الدعوات الخاصة في داخلها والخدمات التي يقدّمها للكنيسة تطبيقا لموهبة المؤسّس. فهذا الواقع يتغذّى بروحانية مميّزة تبرُز في نمط الحياة للأشخاص وفي تصرّفاتهم وممارساتهم المختلفة.

 

          يتميّز مشروع دون بوسكو بكونه مشروعا عمليّا واسعا وملموسا، يشترط عددا كبيرا من القوى الرسولية. كان يقول: "كان الناس يتّحدون في الماضي ليصلّوا معا وكان ذلك كافيا. أمّا اليوم، وقد كثُرت وسائل انحراف الأخلاق لدى شبيبة كلا الجنسين، فيجب الاتّحاد في العمل والإقبال علية فورا" (محاضرة للمعاونين في بورغو سانمارتينو، 1/7/1880). كان دون بوسكو رجل رؤية، جريئا، يستخدم ما أوتي من مواهب في خدمة دعوته. فكّر أحيانا أن الله دعاه ليتولّى إنقاذ شبيبة العالم بأسره، مع أنّه كان يعي تماما  أن مشاكل الشبيبة تتجاوز بكثير إمكانيّاته  وتتطلّب تحرّكا اجتماعيّا وكنسيّا واسعا وواضحا.

 

          إذا نظرنا إلى عالم اليوم، لاحظنا أن مشاكل الشبيبة، وإن تغيّرت أحيانا في بعض المجتمعات، لا تزال قائمة، بل تفاقمت في معظَم البلدان، مما يتطلّب من العائلة السالسية مزيدا من الوعي والالتزام. وقد يكون هذا واجبنا الأول لنأخذ في الكنيسة وفي المجتمع مكاننا ونلعب دورا رائدا في التوعية والعمل. فبالتمسُّك بأمانتنا لرؤية دون بوسكو نعبّر عن تمسُّكنا بقواعد تجديدنا الدائم، الناتج من إعادة اكتشاف ركائز دعوتنا والعمل بموجبها. هذا ما تنتظره الكنيسة منّا وهذا وجه مميّز من انتمائنا إليها وحبّنا لها.

 

          أراد دون بوسكو أن يتميّز مشروعه، ولو محدَّد تحديدا واضحا، ببعده الكنسي فلا يجوز لنا أتباعه أن ننظر إليه وكأنّه ملك لنا. موهبة جميع المؤسّسين هبة إلهيّة للكنيسة وعلى تلامذتهم أن يعيشوا بمقتضاها ويحافظوا عليها ويتعمّقوا فيها وينمّوها باستمرار مع جسد المسيح الدائم النموّ عبر الأجيال. تراث دون بوسكو الروحي والتربوي كنز في أيدينا فاستثماره وفقا لحاجات اليوم هو مشاركتنا الفاعلة والنافعة  لتجديد وجه الكنيسة، فتجديد وجهها يبدأ بتجديد وجهنا، لأن وجهها ووجهنا واحد. هذه نظرة "كنسيّة"  في آن واحد إلى دون بوسكو وإلى الكنيسة. كل موهبة أصيلة تحمل معها في حياة الكنيسة الروحية طاقة تجديد فريدة وزخما خاصّا ، وهي طاقة قد تبدو مزعجة ومثيرة للمشاكل (راجع (Mutuae Relationes (1978), 11-12. كلّنا على علم بما عاناه  مؤسّسنا في حياته والمعارضة التي واجهها من قبل أسقفه وجهات كنسية أخرى، ولكن تبيّن أخيرا أن دعوته آتية من الروح. لو لزم دون بوسكو الاعتزال وأصرّ على التمرُّد، لما كان قديسا. بيد أنّه أمعن النظر في الأمانة للرب وانقاد لروحه ورعى الظروف السائدة فتصرّف بفطنة، ومارس واجب الطاعة الواعية لسلطة الكنيسة ، وهو ثابت في تقدمة الذات والتواضع في تحمُّل المحن، بدون أن يتخلّى عن الجرأة في اتّخاذ المبادرات التي كان يراها مناسبة. بهده القدوة أمامنا، وهي دليل على حبّ دون بوسكو الخالص للكنيسة، لا يسعنا إلاّ أن نحذو حذوه وألاّ نرفض المتاعب والصليب  إذا برز  أحيانا ما يُشير إلى أزمة ما في الجماعة أو الجمعية أوالرعية أو حتى على مستوى أعلى. فالموقف المسيحي الحقيقي في هذه الظروف هو المواجهة البنّاءة التي لا تبتغي المصلحة الخاصة وإتّما إبراز الحقيقة وانتصار الخير العامّ.

 

  1. 3.     مظاهر الحسّ الكنسي لدى العائلة السالسية

 

وعت العائلة السالسية ما للحسّ الكنسي من أهمّية وحاولت، خاصّة في المسيرة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، أن تتمشى مع الكنيسة: ذلك بأنها نمت في "الشعور معها" وفي "العمل فيها ومن أجلها"، وبخاصّة في أن "تتمثّل بها" في عيش دعوتها والقيام برسالتها بحيويّة ومسؤولية.

 

أ) الشعور والتعاطُف  مع الكنيسة يعني، قبل كل شيء، التمسُّك  بفكرة صحيحة وواضحة عنها، كما يحدّدها المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن هذا المجتمع المجهَّز بأعضاء ذوي سلطات، جسد المسيح السرّي، الجماعة المنظورة والشركة الروحية، كنيسة الأرض والكنيسة الغنيّة بنعَم السماء، يجب ألاّ يُعَدّ حقيقتَين، بل هي حقيقة واحدة مركَّبة، ذات عنصرَين بشري وإلهي. ومن ثَمّ فليس من قبيل العَبَث في القياس، أن يُشبَّه بسرّ الكلمة المتجسّد" (نور الأمم 8). الوضوح في مفهوم العقيدة الكاثوليكية حول الكنيسة أساس نظرتنا إليها و إلى دور بابا روما وسائر الرعاة فيها، وبالتالي إلى قيمة تعاليمهم وتوجيهاتهم. فمتابعة تعليم الحبر الأعظم وتوجيهات الكنيسة في شتّى المجالات أفضل وسيلة لتكون مواقفنا الإيمانية متمشّية مع حاجات اليوم وقادرة على مواجهة التحديات ومتحاورة مع الثقافة ليبقى الإنجيل رسالة خلاص للعالم. نعيش في عصر تتسارع فيه نظريات جديدة ومتضاربة، تيارات فكرية ودينية منحرفة، مسائل أخلاقية واجتماعية معقّدة... فكيف نواجهها وأين نستقي الأجوبة اللازمة سوى في الوثائق البابوية والكنسية المختلفة التي تسعى لأن تسلّط ضوء الإنجيل على واقع عالم اليوم؟

هنالك قطاعان يتطلِّبان بنوع خاص اطّلاعا كافيا وتطبيقا واعيا من قبل المعاونين، لكونهم يعيشون ويعملون كعلمانيين في العالم، وهما قطاع أخلاقيّات العيلة لمواجهة الأخطار التي تهدّدها وفطاع التعليم الاجتماعي للكنيسة لتهيئة الذات والآخرين للمشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العامّ ولنشر مبادئ العدالة الاجتماعية والتضامن والسلام في المجتمع وبين الشعوب (راجع نظام الحياة الرسولية 9، 11).

 لا نشهد لروح دون بوسكو، ما لم نسعَ بجدّية لأن نشعر مع الكنيسة  في مختلف المجالات ونتعاطف معها في شتّى الظروف ولا سيّما في المِحَن التي تواجهها، ونعمل  لتطبيق نعاليمها كي تؤثّر، ولو على نطاق محدود أو على المدى البعيد، في تغييرات إيجابية في المجتمع. يعلّمنا دون بوسكو أن أفضل طريقة لاحترام الحبر الأعظم ورعاة الكنيسة الاستماع إلى ما يقولون والعمل بموجبه. فهذه مهمّة رسولية بالغة الأهمّية في أيامنا، بل واجبنا الأول تجاه الكنيسة وبالتالي علامة واضحة لأمانتنا لها.

 

ب) العمل فيها ومن أجلها: إذا كانت العائلة السالسية واقعا كنسيّا، فلا بُدّ أن يكون عملها جزءا من عمل الكنيسة، أي يجب أن يتم كل شيء في الشركة والحوار مع مراجعها ومع مختلف الهيئات والمؤسّسات والجمعيّات وجميع الذين لهم دور فيها. انتهى عصر الاكتفاء الذاتي والعمل في انعزال؛ فكما تتكامل المواهب في الكنيسة، كذلك تتكامل الخدمات والوظائف وأساليب العمل، مع أنّها تصبّ كلّها  في خانة واحدة، ألاوهي الرسالة ونشر الإنجيل. كلّنا شهود على التطوّرات الاجتماعية والتغييرات الثقافية الحاصلة في العالم، ومع أنّ ما يجري على ساحة العالم لا ينطبق بشكل آليّ على ما يجري في الكنيسة،لأنّها ليست "جهاز تنظيم نشاطات"، وإنما "جسد المسيح الحيّ"، غير أنها لا تستطيع أن تجهل ذلك، وكأنّها هيئة متحجّرة لا تتأثّر بما يجري حولها. تقدّم العالم كثيرا في كلّ ما يتعلّق بالتنسيق والتعاون والتضامن والتكاتف وتبادل الخبرات، والنتائج الإيجابية لمثل هذه الممارسات أمام أنظار الجميع. وعت الكنيسة ذلك وها هي تدعو اليوم بإلحاح جميع المعنيين إلى اكتساب ذهنيّة كنسية سليمة وعصرية بتحديث الأفكار وأساليب العمل وبتوحيد الجهود للإسهام إسهاما فعّالا في العمل الرعوي على صعيد الرعايا والأيرشيّات والكنيسة ككلّ على الصعيد الوطني والعالمي.

أنوجّه بنوع خاص  للمعاونين في بعض المراكز، طارحا بعض الأسئلة  وطالبا منهم أن يقوموا دوريّا بإعادة النظر في البعد الكنسي لحياتهم وعملهم الرسولي كأفراد وكجماعة، تفاديا للانطواء على الذات والرِضى، بل الافتخار بما يقومون به وكأنّه أحسن وأكثر ما يمكن... ما دورهم في الرعايا والأبرشيّات والكنائس؟ ما هي نوعيّة خدماتهم الكنسية؟ ما هو مستوى مشاركتهم في الأحداث الكنسية المختلفة؟ كيف يتمثّلون بمسيرة الكنيسة في شتّى المجالات؟ ما لجمعيّة المعاونين من مكان  بين الجمعيات الكنسية الأخرى في المنطقة بعد 10 أو 15 أو20 سنة من الوجود؟ أذكّرهم بأن اندفاع الشعار السالزياني "أعطني النفوس" لا يتوقّف عند باب البيت أو المركز...، بل يخرج إلى الشوارع والساحات، إلى قلب الكنيسة  والعالم، وبتحدّى العواصف... ، بشرط أن نؤمن به ونتّخذه شعارا عمليّا يوجّه خياراتنا الرسولية ونمط حياتنا المسيحية.

 

دُعيت مؤخّرا إلى افتتاح مركز حركة التجدُّد في الروح في لبنان، وهي حركة مسكونيّة، ليس لها أكثر من 40 سنة من الوجود في منطقتنا،  تضمّ  حوالي 400 عضو يختلف مستوى التزامهم الشخصي، ولكنّهم جميعا يعملون يدا واحدة لإثبات حضورهم الفاعل في الكنيسة كحركة تدعو في آن إلى التجدّد الروحي بالانقياد السخيّ لعمل الروح القدس في القلوب وإلى الشهادة بذلك أمام العالم. فتلبية لحاجتهم إلى مكان مناسب للقاءات الصلاة والاجتماعات وللقيام برسالتهم مع الأطفال والشبيبة، تمكّنوأ من شراء بيت في أنطلياس وجدّدوه تجديدا كاملا، بمبلغ لا يقل عن 200 أو 300 الف دولار، بمجرّد مساهماتهم الفردية وإقامة نشاطات ذات ريع، دون الحصول على أيّ هبة خارجية. أبدوا اعتزازهم بهذا الإنجاز الكبير، (كانوا يقولون إنّ الانطباع السائد لدى أعضاء الجمعية أن كل واحد بنى بيته الخاصّ) ورأوا فيه تطبيقا لحياة الجماعة المسيحية الأولى حيث كان المؤمنون "يجعلون كلّ شيء مشترَكا بينهم" (أعمال 2/44). هذا مثل قريب منّا، يشهد على حيويّة جماعة علمانية تضمّ مسيحيين من جميع الفئات والطبقات الاجتماعية، يتمثّلون بالكنيسة، يتضامنون ويتكاتفون لتجديدها من الداخل، بدءًا بتجديد نمط حياتهم الذاتية في الظروف العاديّة.

 

  1. 4.    إسهام العائلة السالسيّة في تجديد الكنيسة

 

دور العائلة السالسية في عمليّة تجديد الكنيسة لا يختلف أساسا عن دور الهيئات والمنظّمات والحركات أو الجمعيّات الأخرى. كلّنا في خندق واحد أو، باستعمال إيقونة إنجيلية، كلّنا فعَلة في كرم الرب الواحد (متى 20/1-16)، لأن ساعتنا دقّت لمّا دعينا إلى الإيمان وتعمّدنا، ثمّ دقّت من جديد  لمّا اكتشفنا دعوتنا الخاصّة وقلنا "نعم" للرب في حياة التكريس أو بالانتساب إلى إحدى الحركات أو الجمعيات الكنسية العلمانية. بانتسابنا إلى العائلة السالسية، بإبراز النذور أو الوعد، التزمنا بأن يكون درب دون بوسكو الروحي والرسولي دربنا، وبالتالي أن نسعى إلى عيش خبرته الروحيّة وإلى حمل اهتماماته الرسولية في ظروف حياتنا الخاصّة.

 

          التحدّي الذي أمامنا هو أن نزداد حبّا للكنيسة وأن نحبّبها للآخرين، ولا سيّما الشباب، بأن تستشفّ صورة المسيح وتتشبّه بأورشليم السماوية (راجع رؤيا 21/10-23). هنالك دلائل تشير بوضوح إلى حيوية الكنيسة ونضارتها أو، بعكس ذلك، إلى ركودها وجمودها:

-         الكنيسة والجماعات الحيّة هي تلك التي تضمّ مؤمنين يجدّدهم الروح باستمرار؛

-         هي التي تَأتي بثمار ملموسة في الالتزام، في الخدمة، في مثاليّة حياة أعضائها وقداستهم؛

-         هي التي تفتح أبوابها لاستقبال الجميع، ولا سيّما الفقراء والمحتاجين والمنبوذين والمهمَّشين؛

-         هي التي تعبّر عن شَغَفها بالحياة والعدالة والتضامن؛

-         هي التي تكون خميرة رجاء لمجتمع يليق بالإنسان ولثقافة غنيّة بالقيَم الأخلاقية والروحية، فهذه هي "حضارة المحبّة" التي يدعونا قداسة اليابا بإلحاح  إلى إحيائها وترسيخها؛

-         هي التي لها وجه فتيّ ويرتاح لها  الشباب، كأنّهم في بيتهم ومع ذويهم.

 

هذه هي الخطوط العريضة لمشروع حياة لكلّ من فروع العائلة السالسية، ينبثق من وعيها المتنامي بأنّها كنسيّة أو لا تكون، فبالتالي عليها  أن تسعى  لتُتَرجمها إلى واقع الحياة:

 

أ‌)        من خلال تأمين الشروط اللازمة لتعيش كل جماعة، وكل عضو فيها، خبرة روحية حقيقية فتشهد لإيمانها شهادة منظورة وملموسة من قبل الشبيبة. لا يتولّد  العمق الروحي تولُّدا ذاتيّا، بل يحتاج إلى النعمة الإلهية والجهد الشخصي وإلى جوّ ملائم يتكوّن يوما بعد يوم عبر الأمانة للأمور الصغيرة والانتباه إلى نوعيّة العلاقات المتبادلة (ضمن العائلة أو الجماعة أو المركز)؛

ب‌)  من خلال إبراز مضمون دعوتنا السالسية ورسالتنا. أرادنا دون بوسكو من أجل الشبيبة، ولا بدّ أن يتجلّى هذا الهدف بما نقوم به وبالطريقة التي نتّبعها في التعامُل معهم (في البيت، في المدرسة، في المركز، في الرعيّة...). أمام تحدّيات الشبيبة لنا، وهي كثيرا ما  تتمثّل بالتصرف العشوائي والجهل الديني والانحراف أحيانا، علينا أن نجعل من مداخلاتنا فُرَصا لتهذيبهم ولإعلان البُشرى لهم، ولو مع مراعاة متطلّبات التربية السليمة، أي باحترام حرّيتهم، بعيدا عن الضغوط. ومن أهمّ الوسائل للقيام بذلك ، أن نقدّم لهم، أُسوة بدون بوسكو، تنشئة مسيحية متينة، وندعوهم إلى عيش خبرات إيمانية مميّزة، أو إلى الالتزام بخدمات تطوّعية مختلفة، ونساعدهم على اكتشاف دعوتهم الذاتية...، على أن نرافقهم في مسيرتهم الشاقّة مرافقة ملائمة ومتواصلة.

 

الخاتمة

 

          هذه بعض الأفكار والمشاعر  التي خالجت ذهني وقلبي لدى التأمّل في موضوع التوجيه الرسولي لهذا العام الجديد. أستودعكم إيّاها على أمل أن تكون العائلة السالسيّة في كل بقعة من الأرض، وبخاصة في بلدان الشرق الأوسط، منارة كنسية  تضيء مسيرة الشباب، لتبقى الكنيسة بيتا لجميع الذين يؤمنون بيسوع ويريدون أن يعيشوا ويشهدوا لهذا الإيمان بعضهم مع بعض. فهذه مهمّتنا السالسية المميّزة: أن تبقى الكنيسة فتيّة، أن يبقى الشباب "أمل الكنيسة"، وأن يعوا بأنهم الكنيسة، "ليصيروا عناصر فاعلة، تشارك في تبشير المجتمع بالإنجيل، وفي تجديده" (يوحنا بولس الثاني، رسالة رسولية إلى  جميع شباب العالم (1985)؛ راجع الإرشاد الرسولي "العلمانيون المؤمنون بالمسيح"، عدد 46).