الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2001

 

التوجيه الرسولي لعام 2001

يسوع المسيح هبة للجميع. كثمرة اليوبيل المقدس نجدد روح التضامن والمشاركة مع الرسالات.

دون خوان أ. فيكي.

 

 

يندرج التوجيه الرسولي لعام2001 في إطار ثلاثة أحداث طبعت حياة الكنيسة والعائلة السالسية طبعا خاصا في السنة الماضية، وهي اليوبيل الكبير بمناسبة مرور 2000 سنة على ميلاد يسوع، والبعثة الإرسالية المميزة في الذكرى ال125 لانطلاق لبعثة الإرسالية السالزيانية الأولى سنة 1875، وإعلان قداسة الشهيدين السالسيين الأولين، المطران لويجي فرسيليا والكاهن كاليستو كارافاريو.

يشدد الرئيس العام على هذه الأحداث ليذكّرنا أن هناك دافعا وحيدا للاحتفال بها ولإحياء ذكراها، وهو أن يسوع المسيح هبة للجميع: للمؤمنين به ليترسّخ إيمانهم ويتمجّد اسمه فيهم (2تس1/12) ويعملوا بالتالي لنشر اسمه، ولغير المؤمنين به أيضا لأنه "لا خلاص بأحد غيره وما من اسم آخر تحت السماء أطلق على أحد الناس ننال به الخلاص" (رسل4/12).

"كل عطية صالحة وهبة كاملة تنزل من علُ من عند أبي الأنوار" (يعقوب1/17)، ويسوع المسيح أكبر هبة إلهية، ولو كثيرا ما يكون هبة مجهولة أو متجاهلة. ألم يقل يسوع للسامرية: "لو كنت تعرفين عطاء الله"(يو4/10). فكلمة يسوع موجهة اليوم إلينا من خلال توجيه الرئيس العام.

هل نعرف عطاء الله؟ هل نقبل يسوع كهبة إلهية لكل واحد منا شخصيا، ولجماعتنا المؤمنة وللبشرية بأسرها؟ ما هي المسؤولية النابعة من قبول يسوع؟ أليست الشهادة لاسمه القدوس والعمل في سبيل انتشار الكنيسة؟  من هنا ندرك أهمية تجديد روح التضامن والمشاركة مع الرسالات عموما وبخاصة مع المرسلين الذين يعملون في الخطوط الأمامية، ونحب أن نذكر منهم أعضاء العائلة السالسية، رهبانا وراهبات وعلمانيين. فعدد كبير من المرسلين لا يزال يواجه أثناء عمله الرسالي قورنتس: مشقات وجلد وسجن وضرب، أخطار في الأنهار والبحار، أخطار من اللصوص والوثنيين، في المدينة وفي الصحراء، جدّ وكدّ وسهر ملازم، جوع وعطش، برد وعري الخ... (ر. 2قو 11/23-27).

 

1- يسوع المسيح هبة إلهية للجميع   

يعلّمنا الكتاب المقدّس أن نرى في كل عطية مبادرة إلهية. فالله هو الذي يبادر بالخلق ويعطي الجميع قوتا وحياة، هو أيضا صاحب المبادرة في عمل الخلاص. فأوّل موقف ينبغي للإنسان أن يقفه هو أن ينفتح على عطية الله، لأنه لما يقبل العطية يتأهّل بدوره لممارسة العطاء ولأن يعطي بسخاء، كما يعلمنا يوحنا في رسالته الأولى: "إنما عرفنا المحبة بأن ذاك قد بذل نفسه في سبيلنا فعلينا نحن أيضا أن نبذل نفوسنا في سبيل إخوتنا"(1 يو3/16).

يوضّح العهد الجديد وضوحا كاملا سخاء الله اللامعقول بأنه "أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد" (يو3/16) وفي ابنه أعطى الآب ذاته، لأن يسوع ممتلئ من غنى الآب في كل شيء: الكلام، الأعمال، السلطان، الحكم، المجد، الحب: "ما هو لك فهو لي"( يو17/10).

يسوع هبة إلهية للبشرية ككل ولكل فرد. هكذا تفهّم يسوع رسالته وجعل نفسه في تصرُّف الجميع. فهو هبة تُقبَل أو تُرفَض بحرية وتُعطَى بحرية وتُعطَى بحرية ومجانا: "مجانا أخذتم، مجانا أعطوا" (متى10/8).    

فجميع الأشخاص الذين لهم دور في تحقيق سرّ التجسد لمسوا مجانية المبادرة الإلهية وردّ كل واحد منهم بطريقته الخاصة، للدلالة على أن ما حدث في حياته لا يكون هبة مفروضة عليه، بل هبة تتطلّب قبولا واضحا، صريحا ، حرّا. اضطربت مريم خلال البشارة واستفسرت، لكن في النهاية قالت للملاك: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" ( 1/38). أليصابات عندما زارتها مريم، صاحت: "من أين لي أن تأتيني أم ربي؟" (لو1/43) وفرحت هي ويوحنا الذي في بطنها. كذلك يوسف "فعل كما أمره ملاك الرب" (متى1/25) فقبل حبل مريم، ثم السفر إلى مصر والعودة منها... فجميعهم أدركوا أن أمرا مهما يحصل ولكن لا يتحقق إلا من خلال قبول وتعاون الإنسان.

هذه هي النقطة الأساسية والمحورية لتطبيق التوجيه الرسولي: أي الخبرة الشخصية بأن يسوع هبة لي، لأستنتج من هذا الواقع ما يغيّر حياتي. فكيف يسوع، هبة الله، يكون لي نورا يبدد الظلمة ويضيء دربي، وجوابا لتساؤلاتي، ومعنى لحياتي؟ ونحن، كجماعة، أو كجمعية، ألا نفكّر أننا، إذا أسّسنا خياراتنا ومواقفنا بحسب كلام يسوع واعترفنا بحضوره الفاعل في داخلها، نتغيّر تغيّرا ملموسا؟

إذا أعطانا يسوع شيئا مهما، ونحن نعلم أن الحرمان منه أكبر حرمان للأفراد وللشعوب، هل نشعر بضرورة التعرّف إليه من قبل أكبر عدد ممكن من الناس؟ ما هو الدور الذي يلعبه في حياتنا التمسك بحب يسوع؟ هل هو الدافع الأساسي لتحركاتنا الرسولية؟ ولكن، بنفس الوقت، نطلب من الله أن ينجينا من الحروب الدينية. لا نفكّر أنه من الضروري أن تكون الديانة المسيحية أكبر ديانة في العالم. يسوع ركّز دائما على قوة المحبة وعلى أصالة الخدمة وليس على قوة العدد:" لا تخف، أيها القطيع الصغير"(لو12/32).

يسوع هبة للجميع. فالذين اختبروا قيمة هذه الهبة،يجب ألا يحفظوها لأنفسهم، وهذا هو الخطر الذي يهدّدنا في عصر الفردية، بل أن يشاركوها مع غيرهم، لأن هذا هو أمر يسوع: "ذهبوا وتلمذوا كل الأمم"، أفرادا وجماعات. دورنا إشعاع نور المسيح وليس إلغاء الديانات الأخرى. وسلاحنا ليس العظمة والسلطة والقدرة والإكراه، بل الشهادة والمحبة والخدمة والاتكال على الروح القدس. ختم قداسة البابا اليوبيل الكبير قائلا للكنيسة: "أنشدي وامشي!"، وكأنه أراد أن يفسر قول يسوع لتلاميذه: "لا تخافوا. أنا غلبت العالم".

 

2-تجدد الروح السالسية  

إن إلحاح الكنيسة على البشارة الجديدة لا يعني أنها تطلب من جميع المؤمنين أن يتركوا كل شيء ويغادروا وطنهم ويبشّروا في البلدان البعيدة. فالدعوة إلى المزيد من العمل والعطاء قي سبيل البشارة هي، قبل كل شيء دعوة إلى التحسّس مع قضية البشارة شعور قبل أن تكون عملا، وهي الشعور الذي شعر به يسوع لما قال: "جئت لألقي على الأرض نارا وما أشدّ رغبتي أن تكون قد اشتعلت" (لو12/49)، وكما قال أيضا: "الحياة الأبدية هي أن يعرفونك أنت الإله الحق وحدك ويعرفوا الذي أرسلته، يسوع المسيح" (يو17/3).

تكمن الروح السالسية بالتأكيد في الرغبة في أن يعرف الجميع الآب وابنه يسوع المسيح، ولكنها تكمن أيضا في الرغبة في أن نشهد ليسوع ونبشر بالإنجيل في بيئتنا، أي في واقع حياتنا، في المكان الذي نتواجد فيه. أرسل يسوع تلاميذ إلى العالم، والعالم له معنى شامل: كل الشعوب والأمم، كل البلدان، كل البيئات، كل الثقافات، انطلاقا من شعبنا وبلدنا وبيئتنا وثقافتنا .

أراد دون بوسكو في شبابه أن يكون مرسلا إلى البلاد البعيدة، ودون كافاسّو مرشده هو الذي أقنعه أن يعدل عن رأيه قائلا له: "رسالتك في تورينو"، وكلنا يعلم أهمية الرسالة التي قام بها. كان رسولا عظيما مميزا. فلو لم يصغ إلى نصيحة دون كافاسو وأصرّ على السفر ، ربما ما كنا هنا. كان بإمكانه أن يكون مرسلا كبيرا، مبشّرا ومعمّدا عددا كبيرا من الوثنيين، ولكن ربما ما أصبح مربيا ومعلّما في التربية ومؤسّسا لإحدى العائلات الروحية الكبرى في الكنيسة. والواقع أن دون بوسكو، ببقائه في تورينو، أتمّ ما أراده الله منه وهذا هو الأهم. وهكذا أصبح رسول الشباب وأرسل حتى اليوم ألوفا من أبنائه من رهبان وراهبات وعلمانيين إلى جميع أنحاء العالم.

على أثر دون بوسكو تتميز العائلة السالسية برسالتها نحو الشبيبة، فالباب حقلنا أو "حصادنا" كما يقول دون بوسكو نفسه. الشباب كما هو، في ظروف حيلته المختلفة، باندفاعه ومشاكله، في الأماكن التي يتواجد فيه: العائلة والمدرسة والرعية والأوراتوريو والشارع والمعمل، في المدن وفي القرى، في الصحراء وفي الغابة..."يكفي أنكم شبيبة...". كيفما كان وأينما وجد فنحن "مرسلون إليه". لذلك، لا حاجة إلى مغادرة الوطن لنعيش الروح الرسالية. نعيشها قبل كل شيء في عائلاتنا وفي مكان عملنا. المهمّ أن نحمل دائما معنا همّ دون بوسكو: "أعطني النفوس..."

 

  • العائلة: هي المكان الأول لعيش الرسالة. نعرف المشاكل المتعلّقة بها: مشاكل إنسانية وأخلاقية كبيرة، مثل نقل الحياة بممارسة أبوّة وأمومة مسؤولة، العلاقات المتبادلة بين الزوجين، حقوق الطفل وحمايتها، التربية في أبعادها المختلفة: الإنسانية، الإيمانية، الثقافية، الجنسية الخ... فالأسلوب الوقائي بإمكانه أن يلعب دورا كبيرا في الحياة العائلية
  • التربية: في مركزها المختلفة، ولكن التربية التي لا تكتفي بنقل معلومات وبتثقيف الولد، بل تلك التي تنقل القيم والمشاريع والرؤى والتي تلبي جميع حاجات الإنسان. ومن أهمّ أبعاد التربية اليوم : التربية على استعمال الحرية ومقاومة الفردية واللامبالاة والنسبية الإيمانية والأخلاقية والتربية على القيم الإنسانية الأساسية التي ينصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
  • المجتمع: انطلاقا من المجتمع القريب: البناية، الحيّ، الضيعة، الرعية، مكان العمل... وصولا إلى المجتمع الوطني مع حاجته إلى الحوار والمشاركة والعيش المشترك وانتهاء إلى المجتمع الدولي، ليس للخضوع لمبادئ العولمة التي غالبا ما تصدر عن مصالح محدّدة، لا عن نية صالحة وعن المحبة، بل لتطبيق أمر يسوع: "تكونون لي شهودا... حتى أقاصي الأرض"(رسل1/8).

 

3- التضامن مع الرسالات

هذا الانفتاح على العالم بأسره يُضفي على اهتمامنا وممارساتنا بُعدا هامّا يسهّل علينا الانتباه إلى نشاط المرسلين إلى الأمم. فاليوم سرعة الاتصالات بمختلف الوسائل تحوّل ما يجري في العالم إلى واقع قريب منا وكأننا شهود عيان. ومع ذلك، قد لا نبالي، مفضّلين التقوقع في عالمنا الضيّق وداخل آفاقنا المحدودة. فيا ليت يتحوّل ما يجري على الساحة العالمية من مجرّد أحداث نطّلع عليها إلى أحداث تُثير اهتمامنا وتشجّعنا على اتّخاذ مبادرات ملموسة تعبّر قدر الإمكان، عن تضاممنا الفعّال مع الفقراء المحتاجين والشباب المتألم والمرسلين...

إن تلبية المعاونين اللبنانيين (مركز الحصون) الدعوة إلى المشاركة مع السالزيان في الرسالة في العراق، ستكون، إذا تحقّقت، أحسن وأنجح تطبيق لتوجيه الرئيس العام. ولكن يجب ألا نحصر مبادراتنا إلى المبادرات الجماعية الرسمية. هنالك إمكانية القيام بمبادرات فردية أيضا. من هنا الدعوة إلى الإبداع الشخصي، كل واحد حسب ظروفه الخاصة. المهمّ ألا نكون من المتفرّجين فقط...

نعبّر عن تضامننا اليوم بعدّة أشكال:

  • اكتساب ذهنية عالمية قادرة على الحوار والتأقلم مع الثقافات والأديان الأخرى، ليس فقط على الصعيد النظري، بل على الصعيد العملي، بالانفتاح على الآخرين وإقامة علاقات أخوية ووديّة معهم ورفض جميع أنواع العنصرية والتمييز والانعزالية والأصولية. فالتسامح الحقيقي هو أساس العي المشترك والاحترام المتبادل. ألم يتصرّف يسوع هكذا حين كان يلتقي الوثنيين (راجع لقاءه مع المرأة الكنعانية، متى15/28) ومع الخاطئين؟ (راجع أيضا رسالة البابا بمناسبة يوم السلام العالمي2001 : "حوار الثقافات في سبيل حضارة المحبة والسلام"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هيئة الأمم المتحدة أعلنت سنة 2001 سنة الحوار في العالمي بين الحضارات). لا حاجة إلى أن نكون أساتذة جامعيين لإحياء مثل هذا الحوار في ظروف حياتنا.
  • الصلاة وتقدمة الإماتات لأجل الشعوب غير المسيحية ولانتشار البشرى ولأجل المرسلين. وهذا في متناول الجميع.
  • الدعم المالي:  قدر الإمكان، ولو بفلس الأرملة.
  • المشاركة في العمل الرسالي: قد أصبحت الخدمة التطوّعية في الرسالات من قبل علمانيين ملتزمين في نمو مطّرد، وهي من أبرز وجوه الالتزام العلماني اليوم، الأمر الذي يدلّ على نضج وعيهم لمسؤلياتهم الكنسية. والمعاونين مدعوون إلى أن يكونوا في الطليعة. 

 

الخاتمة

اهتم دون بوسكو كثيرا بزرع حبّ الرسالات والاهتمام بها بين تلاميذه فنشأت دعوات كثيرة جدا. فلمّا حضرت البعثة الإرسالية الأولى إلى الأرجنتين استطاع أن يخلق في مركزه جوّا حماسيا إلى درجة أن عددا كبيرا من السالزيان والتلاميذ أبدوا استعدادا للسفر...

أما نحن فلا نبعد هذه الفكرة وكأن تحقيقها مستحيل. من يدري؟... في غضون ذلك، كل واحد منا مدعو إلى عيش الرسالة في وطنه وفي بيئته. فلنبدأ باعتبار أنفسنا "سفراء المسيح" (2قو5/20) و"رسالة المسيح" (2قو3/3) إلى مجتمعنا بروح دون بوسكو.(14/1/2001).

 

 

 الأب فيتوريو بوتسو السالسي