الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 1998

 

 

التوجيه الرسولي للعام 1998

"إننا نلنا الخلاص في الرجاء"( روم 8/24).

لنكتشف من جديد، مع الشباب، حضور الروح في الكنيسة وفي العالم لنحيا ونعمل بثقة في انتظار الملكوت

( الأب خوان فيكّي)

الرئيس العام

 

المقدمة

يتجذّر التوجيه الرسولي للعام 1998 في كلام الله (روم 8/24)، وفي مسيرة الكنيسة الإعدادية للألف الثالث، بحسب توجيهات قداسة البابا يوحنا بولس الثاني. فالسنة 1998، الثانية من المرحلة الإعدادية ليوبيل سنة الألفين، كما يقول قداسته في الرسالة الرسولية "إطلالة الألف الثالث" لتهيئة اليوبيل (1994)، "ستكون مكرّسة للروح القدس وحضوره المقدّس في داخل جماعة تلاميذ المسيح". يعني ذلك أن الكنيسة تتوجّه بروحها وقلبها إلى الروح القدس الذي منه جاء المسيح إلى العالم. سيكون لليوبيل طابع "مسيحاني" (messianique) مميّز، لأنّه احتفال بولادة المسيح ولكن له أيضًا طابعًا روح قدسيًّا (pneumatologique)، لأن سرّ التجسّد تمّ "بفعل الروح القدس"، الأقنوم- الحب، "العطية غير المخلوقة ومصدر كل العطايا المنحدرة من عند الله في نظام الخلق، ومن به يعطي الله ذاته في نظام النعمة. وسرّ التجسّد هو قمّة هذا العطاء" (الرسالة العامة" الرب المحي" (1986)، ع 49-50).

يسوع، بقوّة الروح، صار بكرًا لإخوة كثيرين (روم 8/29 )، وهكذا صار أيضًا رأس الجسد أي الكنيسة التي وُلِدَت على الصليب وأُعِلِنَت في العنصرة. في الكنيسة ومن خلالها يسوع هو رأس الجنس البشري ، "الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا ليصيروا أبناء الله"(يو 1/14 )، هذه الأمور كلها، أي كل ما يتعلّق بالخلاص، حصل ويحصل دائمًا "بالروح القدس"، الأقنوم الخفي لأنّه الأقنوم الفاعل من الداخل.

أبناء الله، كما يعلّم بولس الرسول، هم "الذين ينقادون إلى روح الله" (روم 8/14 ). هذه البنوّة تنبع من سرّ التجسّد، من خلال ولادة جديدة تتحقق عندما "يرسل الله الآب روح ابنه في قلوبنا" (غل 4/6 )، أي في المعمودية. حينئذ نتلقّى "روحًا يجعلنا أبناء الله فنحن الورثة: ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث. وإنّا نشاركه في آلامه في مجده" (روم 8/5-16 ).

ولكن، إذا تلقّينا الروح القدس وأصبحنا أبناء الله، هل يعني أننا نلنا الخلاص نهائيًّا؟

يجيب بولس الرسول في نفس الفصل الثامن من الرسالة إلى أهل روما فيقول: "نلنا الخلاص، ولكن في الرجاء"( روم8/24). ما يقصده القديس بولس هو أن المؤمنين أبناء الله حقًّا، لأن المسيح نال الخلاص حقًّا، لأن المسيح نال الخلاص حقّاً من أجلهم، ولكنهم لا يحصلون على تمام خيرات التبني إلا بعد الموت والقيامة، أي أننا لا نزال نرجو ثمرات هذا الخلاص في الحياة الأبدية.

فالرئيس العام ينطلق، في توجيه الرسولي للعام 1998، من هذه الحقيقة، أي الخلاص في الرجاء، ليدعونا اكتشاف حضور الروح القدس في الكنيسة وفي العالم لكي نزداد التزامًا في القيام برسالتنا السالزيانية.

 

1-                حضور الروح القدس هو أساس الرجاء

قيل أن فاعلية الإنسان بقدر رجائه، لأنّ الرجاء محرّك النشاط البشري. العالم ككلّ يعيش في رجاء ولكل إنسان. عادة، أسباب أمل ورجاء في حياته: النقابي الذي ينادي بالإضراب والتاجر الذي يقوم بحملة إعلانية، العالم الذي يقوم ببحث في شتى المجالات، والزارع الذي يزرع، الرجل الذي يعيش في المنفى والشابّ الذي ينظر إلى المستقبل: كلّهم يعملون وينتجون ويعيشون لأنّ الرجاء يحرّكهم. حياة الإنسان بالذات هي رجاء واقع أفضل ، لأن كل إنسان يترجّى الشيء المحبوب الممكن، بل الأفضل والأحسن .

             ولكن، هل نؤمن فعلاً بأن العيش في الرجاء ممكن؟ كيف؟ هذا السؤال مهم جدًّا، لان مصير الإنسان يتعلّق بالإجابة عليه وبنوع الجواب .

             ثمة من يفكّر أن الرجاء حلم ووهم. كان القديس بولس يميّز المؤمنين من الوثنين "الذين لا رجاء لهم" ( 1تس 4/13). أمّا اليوم فيكفينا أن ننظر إلى الوضع في لبنان أثناء الحرب وفي السنوات ما بعد الحرب وحتى الآن. يقول قداسة البابا في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان": "إن ما اختبره المؤمنون بالمسيح في الماضي والحاضر، في أنفسهم وفي الآخرين (...) كافٍ لإقناعهم بما لقِوى الشرّ من قدرة لا تزال قائمة، في وسعها أن تنشر على الدوام الظلمة في العقول والقسوة في المشاعر، وتشكّل تهديدًا للمستقبل، أي تستطيع أن تهدم الرجاء". وبعد هذه اللوحة القاتمة، يواصل قداسته قائلاً: ولكن الرجاء يبقى حيًّا فيهم، على الرغم من كل شيء. إنهم لم تفقدوا ثقتهم في ذاتهم ولا تعلُّقهم ببلدهم وتقليدهم الديمقراطي. إن دأبهم على رغد العيش الذي يميّزهم، وهذه الأخوة في ما بين الجميع التي تبدوا في أحلى مظاهرها في الأوقات العصبية التي تتوالى عليهم، يحثّانهم باستمرار على المساهمة الناشطة في بناء بلدهم على أساس القيم الإنسانية التي هي ثروة تراثهم الوطني" (ع17).

             يرى قداسته أن الرجاء وحده يستطيع أن يُخرجنا من كل أنواع القنوط والخوف واليأس، وأن يُعيد الثقة إلى قلوبنا. وليس هذا الشعار فقط. يعيش في الرجاء الذي يعلم أنه يحمل في حضنه ثمرًا سيتمخّض عنه في حينه. كما يقول يسوع في الإنجيل: "إن المرأة (...) إذا وضعت الطفل لا تذكر شدّتها بعد ذلك لفرحها بأن قد وُلِدَ إنسان في العالم" (يو16/21).

             في كنيستنا في الحصون لوحة تذكارية للخوري يوسف الدكاش، محسن الدير الكبير، كتب عليها: "لذّة الأخذ متعة آنية، ولذّة العطاء فرحة أبدية". كثيرون هم الذين يكتفون بالشطر الأول، وكأن الحياة كلها أخذ في اللحظة الآنية، فورًا وحتمًا. لا حاجة إلى الذاكرة، لأنها نظرة إلى الوراء، ولا حاجة إلى الرجاء، لأنها نظرة إلى الأمام بقيادة الروح القدس.

             يقول قداسة الباب: "إن فضيلة الرجاء الأساسية تدفع بالمسيحي من جهة إلى أن لا تغيب عن بصره الغاية الأخيرة التي يعطي وجوده كل معناه وقيمته، وتعطيه من جهة أخرى دوافع ثابتة وعميقة للالتزام يوميًّا بتحويل واقع الحياة فيجعله مطابقاً لقصد الله" ( إطلالة الألف الثالث، ع46). هذا هو الانتظار الواعي والفاعل للملكوت.

 

2-                اكتشاف حضور الله وفعله 

             هذه المهمّة التي حدّدها الرئيس العام كمهمّتنا الرئيسية في هذه الستة هي، أساسًا، مهمّة كنيسة تندرج في أولى مهمّات التهيئة لليوبيل. الروح القدس، يقول البابا، "يعمل في الكنيسة بواسطة الأسرار وبخاصة سر التثبيت وبواسطة المواهب التي يُوجدها لخير الكنيسة: "واحد هو الروح الذي يوزّع عطاياه المتنوّعة لخير الكنيسة حسب غنى خيراته وعلى قدر ما تتطلّب الخدمات" (راجع 1قور 12/1-11) (...). ثم يواصل فيقول: "الكرازة الإنجيلية في عصرنا هي عمل الروح قبل كل شيء. فمن المهمّ إذن أن نعود فنكتشف في الروح ذلك الذي يبني ملكوت الله عبر التاريخ، ويهيّئ تجلّيه الكامل في يسوع المسيح، منعشًا الناس في الباطن، ومنمّيًا في حياة البشر بذور الخلاص النهائي الآتي في نهاية الزمن" (المرجع عينه، ع45).

             اكتشاف الروح يجب أن يتمّ بالنسبة إلينا على محورين أساسيين:

أ‌)                    تفعيل الأسرار وبخاصة سر التثبيت في حياتنا الشخصية.

ب‌)               إعادة اكتشاف دعوتنا السالزيانية كموهبة الروح.

 

أ‌)        ليس الأمر القيام بخطوتين منفصلتين مستقلّتين، وإنّما الأمر اكتشاف وجهين لمسيرة روحية واحدة، لأن دعوتنا المسيحية ودعوتنا السالزيانية لا تكونان دعوتين متوازيتين، بل تطبع دعوتنا السالزيانية دعوتنا المسيحية بطابعها الخاصّ، أي بروح دون بوسكو وميزات الروحانية السالزيانية، فتصبحان واقعًا واحدًا هو حياتنا الشخصية، المعاشة بدون انفصام أو ازدواجية.هذه هي "نعمة الوحدة" التي تلازم الروحانية السالزيانية وتعاش بنمطين: يعيشها السالزياني المكرّس بدمج ملء التكريس الرهباني بأصالة عمله الرسولي، بينما يعيشها السالزياني العلماني، مثل المعاون، بدمج الإيمان بوضعه العلماني، وهذا هو مصدر التزامه في العالم .

             تفعيل سر التثبيت في حياتنا يعني تفعيل قوة الروح القدس المعطاة في هذا السر، أو بالأحرى إفساح المجال للروح أن يعمل فينا ومن خلالنا بكل قوته. سر التثبيت هو سر النضج المسيحي وسر الشجاعة المسيحية. حياتنا المسيحية السالزيانية تتأصّلان في قوّة الروح معًا. هو الروحانية، روحانية معاشة، أي ننتعش منها ونقدّمها لغيرنا، خاصة للشبيبة.

 

  ب) الكلمة "روحانية" كمذهب أو مجموعة عناصر لحياة روحية معينة، لها علاقة بالكلمة "روح" والروح المميّز، مسيحيًّا، هو "الروح القدس". فاكتشاف دعوتنا وروحانيتنا السالزيانية كموهبة الروح القدس يعني اكتشاف عمل الروح الذي أوجدها في الكنيسة من خلال شخص، هو دون بوسكو، أقامه مؤسّسً لنمط حياة إنجيلية مميّز. فالروح كوّن فيه قلب أب ومعلّم، قادرًا على بذل الذات كليًّا، وقاده لإحياء قوى رسولية عديدة (راجع المادة 1 من قوانين الرهبان والراهبات و المعاونين وميثاق الشركة في العائلة السالسية). أقامه الروح كإنسان يكرّس حياته لخير الشبيبة والروح نفسه أعطاه الصفات الضرورية للقيام بالرسالة الموكولة إليه وقاده، بعون مريم الوالدي، ليكون مؤسّسًا. قوة الروح ظهرت عبر التاريخ بإبداع مستمرّ. فدون بوسكو و"الظاهرة السالزيانية" (كما كان يسمّيها البابا بولس السادس) وجه من وجوه إبداعه. أمّا دون بوسكو المؤسّس، فبانصياعه للروح اضطلع برسالة قام بها بأمانة فتحوّلت موهبته الشخصية إلى موهبة في خدمة الكنيسة. جواب دون بوسكو لنداء الروح يتلخّص بكلمات تعبّر عن قبوله غير المشروط لتصميم الله: "وعدت الله بأن أكون للشباب المحتاجين حتى رمقي الأخير". "خبرة الروح" التي عاشها دون بوسكو، انتقلت إلى تلاميذه "الذين يعيشون بمقتضاها ويحافظون عليها ويتعمّقون فيها وينمّوها باستمرار مع جسد المسيح الدائم النموّ" (Mutuae Relationes ،ع 12).

          لذلك حضور الروح مستمر في العائلة السالزيانية. فنحن، المدعوين من الروح إلى العمل في الكنيسة مع دون بوسكو، نتلقّى منه باستمرار القوة اللازمة لنواصل عمل المؤسّس وقداسته. نحن، كعائلة سالزيانية، واقع مواهبي (charismatique): فالروح، الذي هو المسؤول الأول لوجودنا في الكنيسة، لا يزال المسؤول والفاعل الأول في رسالتنا. وذلك بقدر انتباهنا وانصياعنا لإلهاماته. فمن هذا المنظار، لا يكون الانصياع للروح موقفًا سلبيًّا وخمول، بل عكس ذلك، لأن عمل الله يزيد مسؤوليتنا فيصبح التعاون معه ضرورة يومية ملحّة. الإيمان بحضور الروح الفاعل والناشط في حياتنا، في الكنيسة وفي العالم، ينمّي مواقف إيجابية للغاية، كالرجاء، والأمانة والحماس في القيام بالرسالة.

 

3- الاكتشاف مع الشباب    

          رسالة العائلة السالزيانية المميّزة هي رسالة شبابية وشعبية. فكلنا من خلال حياتنا الكائنة في قلب الكنيسة نركّز، في تناغم المواهب الشخصية والجماعية، على أهمّية الرسالة الموكولة إلينا، ولكن يجب أن تكون الرسالة ملموسة، منظورة، وأن تتّسم بالمصداقية. نحن مدعوون إلى تجدّد مستمرّ في تصميم الرسالة لكي تبقى آنية وخلاّقة كما كانت آنية وخلاّقة رسالة دون بوسكو في عصره. فالكنيسة تنتظر منا خدمة مميّزة لا نستطيع أن نقدّمها إلا بالإصغاء إلى الروح والأمانة إلى دون بوسكو من جهة، وإلى مواجهة تحدّيات عالم اليوم من جهة ثانية، وبخاصة تحدّيات الشبية. الاحتكاك بالواقع، ولكن في ضوء الإيمان دائمًا، يكشف لنا أن هنالك علامات رجاء قائمة في العالم لا نستطيع أن نتجاهلها، إلا إذا تقوقعنا في عالمنا الضيق. روح الرجاء فاعل العالم من خلال تحركات الشباب التائقين إلى الحرية والعدالة والسلام. فيقول لهم الحبر الأعظم في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام 1998: "حافظوا على توقكم إلى المثل حيًّا دومًا، واصبروا كفاية واصمدوا لعيشها في ظروف حياتكم اليومية. كونوا مستعدّين لرفض تجارب الانخراط لسبل غير شرعية تقود إلى وهم النجاح أو الغنى. بالعكس، انتقوا ما هو عادل وحقّ، ولو لزم الأمر تضحيات وسيرًا بعكس التيار"(ص6).

          في ما يخصّ الشباب اللبناني، لا نستطيع أن ننسى لقاءه مع قداسة البابا في حريصا والمداخلات الجريئة من قبل شابّ وشابة باسم لشبيبة كلها، وخطاب قداسته وما ورد في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" عن الشباب (ع51). من جملة ما كتب في هذا الصدد: "يجب مساعدتهم على التغلّب على تجارب التشدّد والتراخي التي يمكن أن تتربّص بهم،ورفض مختلف أشكال الحياة المنافية لسلامة الأخلاق. ومن المستحسن، من جهة أخرى، إرشادهم إلى المبادئ والقيم التي ترتكز عليها الحياة الفردية والاجتماعية، فيصبحوا بذلك شركاء بشراكة كاملة، يعنون بمواصلة الحوار، بلا كلل، مع إخوة لهم يرغبون بالوصول إلى تسويات تمكّنهم من العيش معهم، ولكن بدون الانزلاق إلى تنازلات على صعيد المبادئ والقيم.

          إن الكنيسة تعوّل على الشباب لإعطاء الحياة الكنيسة والحياة الاجتماعية انطلاقة جديدة (... ) ولهذا ينبغي أن يتلقّوا تنشئة فكرية وروحية متينة، تُروي عطشهم إلى المُطلق والحقيقة" (رجاء جديد للبنان، ع51).

          أهمّ دور لنا كعائلة سالزيانية أن نساهم في إعطاء الشباب نمط حياة مسيحية يتلاءم مع ظروف حياتهم ويكون في الوقت نفسه محبوبًا وجذابًا. لا تنازلات ولا مساومات، بل نمط جديد للتعبير عن الإيمان ولاتخاذ مواقف إنجيلية تكون أصيلة ومعبّرة عن وضع الشباب. وهذا يعني عيش ونقل روحانية.

          في مسيرة تبشير الشباب بالإنجيل تكتشف العائلة السالزيانية دعوة الله المجدّدة وتنظر من جديد إلى الرسالة الموكلة إليها ، وهي مقتنعة بأن اختبار دون بوسكو هو اختبار تنبّؤي لا يزال مفيدًا اليوم، وأن الأسلوب الوقائي هو نهج تربوي وروحانية معًا لجميع تلاميذ دون بوسكو، مكرّسين كانوا أم علمانيين أم شبابًا.

          نلاحظ أن كثيرًا من الشباب، خاصة في لبنان، متعطّشون إلى روحانية أصيلة. فكيف نروي عطشهم إذا كانت روحانيتنا جافة أو سطحية؟

          الروحانية السالزيانية الأصيلة هي اختبار حي لحضور الروح القدس. ففي عالم غاب الله عن أفق الكثيرين، نحن نشهد أننا اكتشفنا في التاريخ وفي حياتنا ولا نخجل أن نعلن حضوره في المجتمع. روحانيتنا روحانية حديثة، لا تبعدنا عن العالم، بل هي قريبة من إنسان اليوم لأنها تركّز على المسؤولية الشخصية، على قيمة الحياة اليومية، على البعد الاجتماعي وعلى التاريخ. في يدنا كنز لا نعرف دومًا قيمته ولا نستفيد منه كما يجب. مهما كان، فإن أساس كل روحانية تريد أن تبقى للمستقبل، هو اكتشف حضور الله وعمل الروح من جديد، وترسيخ الحياة الذاتية في قوة محبته. "فالروحانية، كما قال قداسة البابا لأعضاء مجمع السالزيان العام سنة 1990 ، هي المشاركة الحية في قوة الروح القدس... فمنها تنبع قوة التلاحم الحيوي بين الإيمان والحياة الشخصية".

          قامت العائلة السالزيانية، منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، بمسيرة تجدد شملت القوانين والأنظمة والهيكليات في جميع فروعها. ولكن هو التجدّد الروحي الشخصي والجماعي الذي بدونه لا تجدّد حقيقي. أبرز علامة لحضور الروح فينا وفي جمعياتنا هو عيش "المحبة الراعوية"، أي عيش العطش إلى النفوس المعبّر عنه في شعار دون بوسكو: "أعطني النفوس وخذ الباقي". إنه برنامج حياتنا الروحية والرسولية في انتظار الملكوت منا في تحقيقه.

 

الخاتمة  

          كتطبيق عملي لتوجيه الرئيس العام لهذه السنة أقترح :

1)       أن يراجع كل راهب وكل راهبة وكل معاون ومعاونة القانون الخاص بجمعيته ويفتّش في فهرس المواضيع كل ما يتعلّق بالروح القدس والرجاء: يقرأه، يتأمّله ويسعى إلى تطبيقه بحسب حاجته لروحية وظروفه الخاصة. سنكتشف أفكارًا غنية جدًّا.

2)       أن نسعى إلى ترجمة الرجاء المسيحي بنهج سالزياني من خلال تطبيق مميّز لمادة موجودة في قوانين الرهبان (17 )، والراهبات (49 ) والمعاونين (29 ) تتكلّم عن التفاؤل وفرح الرجاء. ويلخّص "ميثاق الشركة في العائلة السالزيانية" هذه الاهتمامات في المادة 22 (...) "في مدرسة القديس فرنسيس السالسي ودون بوسكو، ينمّي السالزيان، لمكرّس والعلماني، في داخله مواقف أساسية هي:

-        الثقة بانتصار الخير:" في قلب كل صبي، وإن لفّه الشقاء، وتر يرنّ للخير. فأولى واجبات المربي أن يكشف هذا الوتر الحسّاس ويعزف عليه".

-        الانفتاح على القيم الإنسانية. السالزياني "يقبل قيم العالم ويرفض البكاء على عصره: يحفظ كل ما هو جيّد، خاصة إذا أحبّه الشباب. فمن يميل إلى التذمّر دومًا ليس له روح سالزيانية أصيلة".

-        التربية على التمتّع بالأفراح اليومية: "نحن بحاجة إلى سعي مستمر لنتوصّل إلى اكتشاف ما يزرع الخالق من أفراح يومية عديدة على دروبنا والتمتّع بها ببساطة القلب".

          فالتربية على الفرح هي تربية على الرجاء وبذل الذات.

إنه برنامج عمل مكثّف لهذا العام وللحياة كلها.

                   

الكحالة في 18-1-1998

الأب /فيتوريو بوتسو