الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 1996

 

التوجيه الرسولي لعام 1996

في ذكرى المغفور له دون إيجيدو فيغاتو

 

إن الشعار أعطني النفوس يتمثل في عطاء الذات

الذي يلهم الحياة في زمن النشاط في زمن الألم

 

يلخص هذا التوجيه توجيهات دون فيغانو السابقة و كأنه وصيته الأخيرة. بالحقيقة، كان ينوي أن يركز التوجيه لعام 1996على الشعار أعطني النفوس المعاش بغير انفصام أثناء النشاط وأثناء الألم .

(دون خوان فيكي ،نائب الرئيس العام )

 

لمحة تاريخية عن الشعار

أعتقد أنه من المفيد قبل أن ندخل في صلب الموضوع ،أن أقدّم لكم لمحة تاريخية عن نشأة الشعار السالزياني أعطني النفوس وخذ الباقي . إنه استشهادمن الكتاب المقدس، وبالتحديد من سفر التكوين (14|21) حيث جاء على لسان ملك سادوم أثناء لفائه مع إبراهيم، إثر هزيمته في الحرب. طلب الملك من إبراهيم أن يعيد له الأسرى (أي النفوس بمعنى الأشخاص ) وأن يأخذ ما تبقى (أي الأموال).

الجملة أعطني النفوس (وهي ترجمة صحيحة ، موجودة في الترجمات العربية الحديثة أيضاً)، لم يفسّرها دون بوسكو بمفهومها الأصلي والتاريخي، بل بمفهومها الروحي وطبّقها على رسالته، اهتمامه الأول كان خلاص النفوس، ولاسيما نفوس الشباب.

مع أن دون بوسكو كان قد اختار هذا الشعار منذ بداية رسالته، إلا أنه لم يصبح الشعار الرسمي للسالزيان إلا في عام 1884، لما قرّر مجلس إدارة جمعية الرهبان، بعد الاستماع إلى اقتراحات عدة، أن يتبنّى بالإجماع رأي دون بوسكو المؤسّس في هذا الشأن. منذ ذلك اليوم كُتِبَ الشعار على شارة الرهبنة،كما وأُدْخِلَ فيما بعد إلى شارة جمعية الراهبات وجمعية المعاونين.

لا ننسَ أن هذا الشعار كان مكتوبًا بحروف كبيرة على كر تونة علّقها دون بوسكو على أحد جدران غرفته ليلفت نظر الداخلين إليها، وخلال اللقاء الأوّل في الأوراتوريو مع دومنيك سافيو،جرى حوار بينهما حول معنى هذه الكلمات. سأل دون بوسكو: أرِني مقدرتك في اللغة اللاتينية.اشرح لي هذه الكلمات الخمس cetera tolle" "Da mihi animas،. حاول دومنيك عبثًا ترجمة الكلمة، وقد توقّف بعد الكلمة الثالثة، فهّب دون بوسكو إلى مساعدته وقال: "ها أنا أساعدك على إنهائها:يا ربّ، أعطني النفوس وبالمبادلة خذ الباقي.إنها تجارة،أطلب إلى لله نفوسًا، وأدفع له وأنا أترك له كل شيء".

أضاء وجه الفتى وهتف: "فهمت الآن، يا أبتِ. لا يتاجر هنا بالمال،بل يتاجر بالنفوس.أرجو أن يكون لنفسي نصيب في هذه التجارة".

نسعى الآن إلى التعمّق في المفهوم السالزياني للشعار الذي هو كما قلت،شعار الجمعيات الثلاث التي أسّسها دون بوسكو والتي تشكّل قاعدة العائلة السالزيانية.

يلخّص هذا الشعار حياة دون بوسكو برمّتها:اختباراته وممارساته،ويعبّر عن أسرار قلبه الرسولي، وعن قوّة وحرارة محبّته، وعن مدى رسالته التي تجسّدت في أشكال متعدّدة ومتنوّعة.هو خلاصة روحه، تلك الروح التي تكوّنت ونمت فيه كثمرة إصغائه إلى إلهامات الروح القدس وإلى وحي الظروف التاريخية التي عاش فيها، وكنتيجة التفاعل بين النعمة الإلهية ومواهبه الكثيرة.

هذا الشعار يشكّل بالنسبة إلينا استعراض أشخاص ورموز لعبت دورًا مهمًّا في حياة دون بوسكو وأثّرت في اختياراته الرسولية تأثيرًا بليغًا: يسوع الراعي الصالح الذي يبحث عن الخروف الضال ويبذل حياته لأجل جميع الخراف، مريم العذراء، الأمّ الحنون، التي تنتبه إلى حاجات الآخرين،كما فعلت في عرس قانا الجليل، لمّا قالت للخدم: "مهما قال لكم فافعله" ( يو2/1-12)، القديس فرنسيس السالسي، الراعي الغيور الذي عرّض حياته للخطر مرارًا ِليُعيد ألوف النفوس الضالّة إلى حظيرة الكنيسة، ماما مرغريت التي كانت في همّ أمور البيت، ولكن لم تبحث عن مصلحتها،بل علّمت أولادها أن يعملوا بمشيئة الله قبل كل شيء، خاصة فيما يختصّ بالدعوة الشخصية. ولما يوحنا ارتسم كاهنًا قالت له: "أنت كاهن،فمن الآن وصاعدًا فكّر في خلاص النفوس فقط".

دون بوسكو نظر إلى كل هذه الأمثلة، حفظها في قلبه، تأمّلها، طبّقها وعلّمها لتلاميذه حتى صار هو نفسه قدوة. بالنسبة إلينا إذًا دون بوسكو هو المثال الأقرب، ومن خلال السير معه ووراءه، نتأكّد بأننا نسير على خطى يسوع ومريم والقديس فرنسيس السالسي.

 

"أعطني النفوس" هو عطاء الذات لأجل الآخرين

يتمثل الشعار السالزياني في عطاء الذات، لأن عطاء الذات كان، عند دون بوسكو، الطريقة العملية لتطبيقه. في نظر دون فيغانو، الرئيس العام الراحل، ليست هناك جملة أفضل وأعمق وأدقّ لنعبّر عن روح دون بوسكو وعن المحبة الراعوية التي تميّز بها المؤسّس والتي يجب أن يتميّز بها أبناؤه وتلاميذه. وكأن هذه الكلمات ترسم ملامح دون بوسكو الروحية وملامح تلاميذه الحقيقيين.

أهمّية الدور المحوري للشعار تتجلّى من خلال التركيز عليه بنوع خاص من قبل جميع الرؤساء العامّين، كونهم خلفاء دون بوسكو. كتبوا صفحات تعليق، بل رسائل طويلة إلى الرهبان وإلى أعضاء العائلة السالزيانية ليشرحوا معناه مفصلاً. الكنيسة نفسها اختارت النصوص الليتروجية لعيد دون بوسكو من منطلق عطشه غير المحدود لخلاص النفوس فتصّلي بهذه الكلمات:"أضرم فينا (يا ربّ) نار المحبّة الرسولية (التي أضرمتها في القديس يوحنا بوسكو )، لكي نسعى مثله إلى طلب النفوس ونخدمك أنت الخير الأوحد والأعلى".

"ألنفس" في نظر دون بوسكو وأبناء عصره، تدلّ على بُعد الإنسان الروحي الذي يتضمن حريته وجذور كرامته، ومقدرته على الانفتاح على الله وتفاعله مع إلهامات الروح. تشابك هذا المفهوم الروحي للنفس مع المفهوم البيبلي الأصلي (أي الأشخاص)، يوحي بخيارات عملية تخصّ حياتنا ورسالتنا السالزيانية. كل حبّ حقيقي يتوجّه نحو الآخر، و إلا كان مجرّد حبّ الذات وأنانية.الإيمان المسيحي يُضفي على الحبّ الإنساني بُعدًا إلهيًّا فيتحوّل الحبّ إلى محبّة، لأن المعمودية تؤهّلنا أن نحبّ مثل ما يحبّ الله نفسه. كالسالزيان، نتحدّث عن المحبة الرسولية أو الرعوية. محبّتنا تعنى بالإنسان، بالشخص البشري، أي بالخليقة الوحيدة التي أرادها الله لذاتها وأعطاها قيمة خارقة لمّا دعاها إلى تخطّي حدود وجودها الطبيعي على الأرض لتشاركه في حياته الإلهية. فهذه الحياة الفائقة للطبيعة،أي هذه الحياة الجديدة تستمدّ قيمتها من محبة الله الآب ومن عمل يسوع الفادي ومن حضور الروح القدس المقدّس وتصبح حياة "جديدة" حقًّا و"أبدية" لأنها سوف لا تنتهي. نحن كمسيحيين، ولكن بميزتنا السالزيانية، نكون في خدمة هذه الحياة، في خدمة الإنسان الجديد. الإنسان، خاصة في صغره وحداثته، هو طريقنا وهدفنا. الأشياء، كل الأشياء، مهما كانت مهمّة، تأتي في المرتبة الثانية، لأنه أقلّ أهمية من الشخص البشري، وإن كانت ضرورية للقيام بأي عمل تربوي ورسولي.

في نظر دون بوسكو إلى الإنسان (الأولاد) وفي نظرنا أيضًا، التركيز على"النفس" (أو النفوس) له مدلول وهو أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده (متى4/4). له حاجات مادية وله تطلّعات غير متناهية، يفتّش عن معنى حياته وعن القيم الروحية، وقد عبّر القديس اغسطينوس عن عطش الإنسان إلى ما فوق لمّا قال بجملة رائعة:" خلقتنا لك يا رب، ولا يطمئن قلبنا ما لم يسترح فيك". فالأشياء إذًا في خدمة هذه الدعوة السامية، أي انفتاح قلب الإنسان على الله والإدراك إنّ الله وحده هو الغاية القصوى ويملأ قلب الخليقة لذلك الخلاص الذي نصبو إليه كثمرة ممارسة المحبة الراعوية هو الخلاص الكامل، الشامل والنهائي. ما تبقّى، أي الباقي بأسره، يندرج في خدمة الخلاص، لأن شرع الكنيسة الأساسي هو خلاص النفوس. على سبيل المثال، إذا أردنا أن نطبّق هذا المبدأ على رسالتنا التربوية كسالزيان، أقول: التبرّعات مثلا وكل الوسائل المادية هي في خدمة الرسالة التربوية: الرسالة التربوية هي في خدمة التنشئة الإنسانية والدينية والمسيحية، التنشئة الدينية والمسيحية هي في خدمة حياة النعمة والمشاركة مع الله. يعني ذلك أن بُعد الإنسان الروحي وتربيته الدينية أساسيان في صرح دون بوسكو التربوي، ومع ذلك يجب أن نعترف بأن نهجه ليس تبشيريًّا بالمعنى الضيق أو السلبي (أي الدعوة الصريحة الموجَّهة إلى غير المسيحيين لكي يعتنقوا الدين المسيحي). الخطوة الأولى هي التبشير بقيمة الإنسان بكل أبعاده، وعمليًّا يتجسّد هذا التبشير في توعية الشبيبة أن طاقاتهم الروحية هي ينبوع نموّهم الإنساني الكامل ومصدر سعادتهم الحقيقية. من هنا الاهتمام بتنشئة دينية وروحية عميقة وبطرح المسألة الدينية طرحًا صحيحًا، بصبر ودقّة، مع احترام مراحل النموّ الطبيعي والفكري، إلى أن يكتمل وعيهم ويتمكّنوا من الاستيعاب التدريجي.

لا شك في أن انتشار المادية والعلمانية بمعنى فصل الإنسان عن الله من جهة وانتشار الظواهر الدينية المتطرّفة أو المنحرفة من خلال البدع وبعض الجماعات الأخرى من جهة ثانية، لا يسهّل علينا القيام بمهمّتنا. فنحن، كالسالزيان، إذًا لا نتغذّى بروحانية شعارنا ولا نستوعب معناه العميق ولا نسعى إلى عيشه وتطبيقه، وكأننا نبني على الرمل، أو كأننا ينقصنا العمود الفقري، ولا نستبعد هذا الخطر. إنه خطر واقعي ومنتشر أكثر مما نتصوره. كان دون فيغانو يحذّرنا دائمًا من هذا الخطر، وكان يسمّيه "السطحية الروحية" وكان يدعونا إلى العودة إلى عمق روحاني يضمن وحده ممارسة رسولية أصلية ومثمرة.

 

"أعطني النفوس" روحانية ومنهج عمل

إضافة إلى ذلك، ففي الشعار"أعطني النفوس" توجيه منهجي للعمل التربوي والرسولي. التنشئة عمومًا، وبخاصة التنشئة المسيحية، ترمي إلى تجديد الشخص الإنساني، لأن المسيحي، على حدّ قول القديس بولس،"خليقة جديدة"(غلاطية6/15). فعملية التجديد هذه تتمّ فقط عبر التركيز على الطاقات الروحية، مثل الضمير، والانفتاح على الله وفكرة الحياة الأبدية. تربية دون بوسكو إذًا هي تربية النفس، تربية النعمة، تربية السماويات.

هذه الأفكار لم يطرحها دون بوسكو على مجموعة مصغّرة ومختارة من الشبيبة، كالشبيبة الفاضلة الملتزمة، بل طرحها على الجميع، لأنه دعا المشرّدين منهم والمهملين البعيدين عن الكنيسة وعن الممارسة الدينية إلى عيش التطويبات وإلى تذوُّق حبّ الله لهم، وعلّمهم أنهم المفضّلون عنده وهم أيضًا مدعوون إلى القداسة كتجاوب للمبادرة الإلهية (راجع المحاضرة:"التطويبات في الروحانية السالزيانية"). التركيز على الطاقات الروحية وإطلاقها وتوجيهها نحو الله، الخير المطلق، ونحو كل من هذه الفكرة الأساسية، مثل قيم الإنسان والحياة، القيم الأخلاقية، التذوُّق بكل ما هو حقّ وصالح وجميل، هو بدء العمل التربوي الصحيح، لأنه يدلّ على النظر الشخص الإنساني في شموليته، أي في جميع أبعاده ،كما ويدلّ على توجيه اهتماماته المتعدّدة بشكل متكامل. الإنسان واحد وغايته القصوى واحدة، ولكن هناك تدرُّج في أهمّية القيم. يوجد دائمًا ما هو أهمّ بين الأمور المهمّة. فإذا حدّدنا ما هو أهمّ للإنسان، يبقى أن الباقي (مثل العلم وحده، التهذيب وحده، النجاح وحده، المال وحده، الخ )، مهما كان ثمينًا ومفيدًا، لا يكفي لبناء الإنسان الكامل، ولسدّ جميع احتياجاته ولإرضاء كل رغباته وتطلّعاته، بالأحرى لا يكفي لبناء الإنسان الجديد، أي الخليقة الجديدة في المسيح التي تحدّثنا عنها. تصميم الله للإنسان يبقى منقوصًا، ما لم يؤخذ بالاعتبار جميع الوجوه التي أرادها الله نفسه. فوجه الإنسان الروحي والديني، بمعنى علاقته بالله، يتسامى عن جميع الوجوه الأخرى التي يمكن اعتبارها تمهيدًا له.

 

"خذ الباقي" يتمثل بالتضحية والتنا زلات

هذه النظرية إلى الإنسان لها عواقب عملية وتطبيقية، إذا أردنا أن نكون منطقيين، وكذلك إذا اعتمدنا الشعار "أعطني النفوس" على خطى دون بوسكو، لا يجوز أن يبقى الشعار مجرّد شعار."أعطني النفوس" في نظر وفي حياة دون بوسكو يعني حقًّا "خذ الباقي"، أي التجرُّد والتخلّي الحقيقي عن كل شيء يحول دون تحقيق هدف الشعار، أي خلاص النفوس. "خذ الباقي" يتمثّل بحياة الزهد بمعناها الصحيح. ليس التزهّد نصيب الرهبان والراهبات فقط، بل وجه من الحياة المسيحية الحقّة . ألم يقل بطرس الرسول في رسالته الأولى: "ألقوا على( الله) جميع همّكم، فإنه يعنى بكم. كونوا متزهّدين أيقاظاً"(1بطرس5/7-8).أكيد نوع التزهّد يختلف باختلاف حالة حياة كل شخص، ولكنه يجب أن يظهر في حياة كل مسيحي، وبخاصة في المسيحيين الذين التزموا الحياة الرسولية، وكأنه الثمن الذي يجب أن يدفعوه لخلاص النفوس.

لو أراد دو ن بوسكو أن نهتمّ بخلاص النفوس مكتوفي الأيدي، بدون تعب وعناء، لما اختار هذا الشعار ولما أسّس جمعيتين رهبانيتين وجمعية علمانيين تتميّز بالعمل الدءوب والنشاط المستمرّ المكثّف. لعلّه اكتفى بالنصيحة :"صلوا لأجل خلاص النفوس....وارتاحوا...".

هناك تشابه بين القديس بولس، رسول الأمم، ودون بوسكو ،رسول الشباب. أخذ على بولس خصومه أنه خرج عن رشده لكثرة ما جدّ وسعى وأنهك قِواه، فرّد عليهم بأنه فعل ذلك في سبيل الله. تعرّض لجميع أنواع الأخطار وأصابته المحن ففاق في ذلك خصومه (راجع 2 قورنتس 11/23-28)، والدافع الوحيد كان محبّة المسيح التي آخذت بمجامع قلبه (2قورنتس 5/14)، أي استولت عليه بصورة كاملة، حتى قال:" قد صُلِبْتُ مع المسيح. فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ" (غلا 2/19-20 )

كذلك دون بوسكو: اعتبره أصدقائه مختلّ العقل وتركوه وحده بين 400 صبي، فهو، بعد لحظة من الارتياب، سمع صوتا ًٍيقول له: "لا تخف. إن الله على كل شيء قدير" (ت. بوسكو، دون بوسكو صديق الشباب، ص 144-146) ، فسار إلى الأمام واثقًا بالله وواثقًا بنفسه وبقيمة رسالته: "يكفي أنكم شبيبة، لكي أحيكم. كثيرًا" ، وضحّى لأجلهم بصحّته ووقته ، بل بحياته: "أنا أدرس من أجلكم، وأعمل من أجلكم، وأحبا من أجلكم وأن مستعدّ أن أبذل حياتي من أجلكم".

كل واحد يترك أشياء كثيرة ليتكرس بكل قواه لما يحبّه أو يحلو له أو يعتبره ضروريًّا أو مفيدًا جدًّا لحياته، مثل النجاح في العمل و الدرس، الحصول على شهادة مهمّة، تسجيل رقم قياسي في الرياضة، العلاقة بين زوجين أو خطيبين ...، لأن كل اختيار يتضمّن عدة عددًا من التنازلات . كثيرًا ما يجب أن نتنازل ليس فقط عن أشياء نستغني عنها بسهولة، بل عن أشياء نحبّها لأنها تتعلّق أحيانًا بالذوق الشخصي أو بمشروع استغرق وقتنا وطاقاتنا أو جزءا من حياتنا.

التوجيه الرسولي لهذه السنة يذكّرنا أن الحياة السالزيانية . رهبانية كانت أم علمانية، لا تنحصر في عش الدير أو عش البيت ولا تتقوقع في حياة روحية داخلية، مهما كانت عميقة. إنها تشعّ حياة رسولية وهذا هو المحكّ الواقعي الذي يكشف النوايا ويدلّ على جدّية الالتزام وبخاصّة على استيعاب صحيح لروح دون بوسكو. (فلنكن كلنا متواضعين ولا ندّعِ أننا سالزيان كاملين، قد تعلّمنا كل شيء ...  المهمّ أن نسعى دائمًا إلى الأمام، أن نواظب بإصرار وحزم ، واثقين بالنعمة الإلهية وبعون مريم أم المعونة) .

في تعليق على الشعار السالزياني، قال الطوباوي فيليب رينالدي، خليفة دون بوسكو الثالث وأحد الذين محّصوا روح دون بوسكو تمحيصًا: النفوس ضرورية للحياة السالزيانية مثل "الأوكسجين" ضروري للتنفس. بدون أوكسجين الإنسان يموت ، وبدون نفوس السالزيان يموت . هل نريد أن نحيا أو أن نموت؟

 

العطاء بالذات في زمن النشاط وفي زمن الألم

كما أن التنفّس يلازم الإنسان طوال حياته، والموت هو توقُّف التنفُّس، إذ يقال: "فاضت أنفاسه أو لفظ أنفاسه" ، كذلك همّ النفوس يلازم حياة السالزياني باستمرار ويتمثّل في عطاء الذات مهما تغيّرت ظروف حياته الشخصية. الظروف الشخصية تتغيّر ونوع العطاء يمكن أن يتغيّر ولكن العطاء بالذات لا يتغيّر.

حياة الرهبان والراهبات السالزيان مثلاً موجهة من ممارسة النذور في خدمة الرسالة ونوع العطاء عندهم  موسوم بسمة التكريس الرهباني في إطار الحياة الجماعية. بدون أي شكّ كل واحد منهم يرتاح لما يستطيع أن يتكرس للعمل الرسولي مع الشبيبة، لأنه يشعر بما كان يشعر به دون بوسكو لما كان يقول لصبيانه: " أنا مرتاح معكم ، حياتي أن أكون دائمًا معكم".

ولكن، لابدّ أن تأتي أيام المحنة نفسانية أو روحية، كما في حال نقل الرهبان من وظيفة إلى أخرى لا يحبّونها أو من دير إلى دير آخر، أو محنة جسدية، كما يحصل في حال المرض أو في الشيخوخة. هل يخفّ العطاء في هذه الحالات؟ كلا، بل هذه الظروف الصعبة بالذات تُضفي على العطاء معنى رسوليًّا جديدًا. بتقديم هذه العذابات لأجل الأخوة والشبيبة، يتّحدون بآلام المسيح الخلاصية وهذا النمط الجديد الذي به يشاركون في الرسالة السالزيانية مشاركة كاملة وأعمق. وكثيرًا ما تتكثّف الصلاة في هذه الظروف الصعبة. فعبر الألم والصلاة يكتمل بذل الذات وتتحوّل كله إلى قربان يقدَّم للرب.

ما يحصل في حياة السالزياني المكرّسين، نوعًا ما، في حياة المعاونين. المهمّ ألا يفقدوا أبدًا الزخم الرسولي، بل أن يسعوا لتحويل جميع أحداث وظروف حياتهم إلى فعل حبّ وعطاء لخلاص الشبيبة، كما فعلت ، على سبيل المثال، المعاونة البرتغالية الكسندرينا ماريا داكوستا (1904-1955) ، التي ستعدّ قريبًا في صفوف المكرَّمين: أمضت 32 سنة من حياتها في الفرشة، حاملة صليبها مع يسوع واكتشفت أن حياتها في الفرشة كانت رسولية للغاية، لأنها حقّقت أمنية يسوع لما قال: "وأنا، إذا رُفِعتُ من الأرض، جذبت إلىَّ الناس أجمعين " (يو12/32) . فالصليب كان وما يزال مثال وذروة التفاني والعطاء.

 

الخاتمة

يأتي توجيه هذه السنة ليذكّرنا جميعًا، وخاصة الفاترين منا، أن بوصلة حياتنا السالزيانية بحاجة إلى تصليح أو ضبط، لأن الإبرة المغناطيسية التي تحدّد اتّجاه مسلكنا تميل أحيانًا إلى اتّجاه آخر أو لا تستقرّ . الحجج دائمًا كثيرة لنبرّر فتورنا أو كسلنا، وكثيرًا ما نتشبّه بالمدعوين المتخلصين عن الدعوة الذين يتكلّم عنهم الإنجيل لما يقول: "فجعلوا كلهم يعتذّرون على وجه واحد" (لو14/15-24) .

الحياة السالزيانية تحتاج إلى تضحية وجرأة ومثابرة، لأنها ليست زينة نتحلّى بها في الأعياد، بل نمط حياة رأيناه محقِّقا لتطلّعاتنا وملائمًا لنعبّر عن هويتنا المسيحية . عدم تفهُّم الشعار السالزياني بمفهومه الأصلي والعميق يجعلنا نفقد الحيوية المطلوبة من العائلة السالزيانية، وهذا، بلا شكّ، خسارة كبيرة لنا وللكنيسة ولشبيبة العالم. الموقف الأكثر توافقًا مع شعارنا هو أن نحمل دائمًا توتُّرًا عاليًا، لأن رسالة دون بوسكو في الكنيسة والعالم تميزت دائمًا ولا تزال بالحيويّة ولأن خلاص النفوس لا يستطيع أن ينتظر ولا يقبل أي إرجاء.

دون بوسكو معلّمنا في التفاني والعطاء فلنسعَ لأن نكون تلاميذه المُخْلٍصين والأقوياء، بشفاعة  مريم أمّ المعونة.

14-1-1996    الأب فيكتور بوتسو السالزياني