الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



scuola Cairo

Scuola Alessandria

المقالات

التوجيه الرسولي لعام 2018

التوجيه الرسولي 2018

 "سيدي، أعطني من هذا الماء" (يو 4: 15)

لننمِّ فنّ الإصغاء والمرافقة

 

ها أنا اضع بين أيديكم تقدمة الرسالة العامة والتي سترسل إليكم بنهاية هذا العام. وأود التوضيح بأن هذه التقدمة لن تكون الشرح المفصل لرسالة سنة 2018، إذ سأكتفي ببعض التوضيحات والخطوط العامة.

الجملة التي تقولها المرأة السامرية والتي هي عنوان الرسالة تمثل استجابة لطلبها النابع من القلب والذي وجّهته ليسوع عند بئر يعقوب. ففي اللقاء مع المسيح شعرت المرأة السامرية بالأهمية التي أولاها إياها المسيح من خلال الإصغاء إليها واحترامها وتقديرها، الأمر الذي دفعها لطلب ما هو أغلى وأثمن مما كان لديها: "يارب أعطني من هذا الماء" (ماء الحياة الذي تعطيني إياه).

وتبعاً للموضوع الرئيسي لهذا النص الإنجيلي، فإننا نسلّط الضوء، وبالتزامن مع ما يقدمه سينودس الأساقفة القادم (الشبيبة، الإيمان، تمييز الدعوة)، على مدى أهميته لعائلتنا السالزيانية ولرسالتها في العالم والقائمة على إنماء فن الإصغاء والمرافقة مع كل ما يتطلباه من ظروف ملائمة واحتياجات خاصة لمساعدة الشبيبة على عيشهما بالطريقة الصحيحة والتي تضمن لها النمو المسيحي والدعواتي الصحيحين.

1.      لقاء لا يدعنا غير مبالين:

إن نقطة البداية في تأملنا هذا تعتمد على قراءتنا الهادئة والتأملية للنص الإنجيلي والمعروف بـ "لقاء يسوع مع المرأة السامرية" (يو4، 3-42)، هذا اللقاء الذي أصبح أيقونة اللقاءات ومثالاً نعود إليه لرؤية كيف يتواصل الله معها وطبيعة العلاقة التي يعزم على إرسائها والنتائج التي ستترتب عليها والتغييرات التي ستحصل في حياتها بعد اللقاء بينهما.

"أتت امرأة من السامرة لتستقي ماءً، قال لها يسوع، "أعطني لأشرب." (لأن تلاميذه ذهبوا إلى المدينة ليشتروا طعاماً.) قالت له المرأة السامرية: "كيف تطلب ماءً مني وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟ " (يو4: 7-9).

لقد شعر يسوع بموقع ضعف وعجز أمام متطلب حياتي. بالنسبة للمرأة السامرية هو رجل غريب عطشان وليس عنده دلو ليأخذ به الماء من البئر العميقة البعيدة عن متناول يديه.

ومن الناحية الأخرى، فإن المرأة السامرية ليست بوضع اجتماعي طبيعي، فهي تعيش حياتها بعيدة عن المجتمع بحسب ما يرويه لنا النص الإنجيلي.

بالإضافة لكلّ ما سبق هناك العديد من الحواجز والمعتقدات الإثنية والدينية التي تمنع اللقاء بين رجل يهودي وامرأة سامرية، وهذا يساعدنا أكثر فأكثر على فهم ردة فعل المرأة السامرية عندما طلب منها يسوع أن تسقيه ماءً.

أمام في هذا الوضع فنستطيع رؤية أمر مثير للاهتمام: مكان اللقاء هو مكان عام لا بل أكثر من ذلك مكان غير مقدس إنه مكان دنس. بئر خارج المدينة في الخلاء، ولقاء في ذلك المكان غير المرغوب سيصبح مكاناً للقاء مع الله.

إنّ شخصية يسوع والتي هي محور اللقاء والشخص المبادر ومبتدئ الحديث، يقوم برسم خطة اللقاء مع المرأة السامرية مبتدئاً بالإصغاء لها ومعرفة قصتها.
لقد أصبحت عملية الإصغاء في عصرنا فنّاً حقيقياً: "علينا أن نمارس فن الإصغاء ونتعمّق فيه، فهو أكثر من مجرد سماع الكلام. فالإصغاء هو الانفتاح على القلب والذي يجعل التواصل واللقاء مع الآخر ممكنا ومحسوساً، والذي بدونه لا يمكن أن يحصل أي لقاء روحي حقيقي.

إن نقطة البداية في أي عملية إصغاء هي إمكانية اللقاء بين حرّيتين مسؤولتين، يسودهما الاحترام المتبادل والعطف والرحمة وفي الوقت نفسه يدفع هذا اللقاء إلى النمو والنضوج في الحياة المسيحية.

عندما يتم اللقاء ضمن الشروط السابقة، فإن الإصغاء يساعد على:

·       الانفتاح على الآخر.

·       صبّ الاهتمام على ما يقوله الشخص وبذل الجهد الواعي لفهم ما يريد إيصاله.

·       مرافقة الشخص مرافقة حقيقية تساعده على فهم كنه وحقيقة شخصيته.

·       وضع المشاكل الخاصة والشخصية جانباً للتقرب من الآخر والوقوف بجانبه.

·       فهم أن الإصغاء باختصار: هو فن يتطلّب من الشخص منح الانتباه والتقرب من الآخر والتعرف على مشاكله وصراعاته التي يعيشها في حياته، معرفة نقاط ضعفه، مشاركته أفراحه وآلامه وآماله! فالإصغاء ليس الإصغاء لموضوع معين بل هو إصغاء لشخص ما.

·       فهم أن الإصغاء عندما يقصد به المرافقة الشخصية والروحية فإنه يتخطى حدود الأبعاد النفسية ليأخذ منحىً روحياً ودينياً يساعد الشخص على المضي قدماً في مسيرة الحياة للقاء الآخر (يسوع).

·       فهم أن نظرتنا كمربين الموجهة بشكل خاص نحو الشبيبة ولحياة عائلاتهم تمنحنا ثقة كبيرة بأنه هنالك جانباً من الخير في كل قلب نلتقي به في حياتنا، ومن واجبنا العمل على إظهار هذا الجانب الإيجابي من خلال العمل الصبور على ذواتنا والانتباه لها والانفتاح على الآخرين والإصغاء لهم والتأمل.

هذا الإصغاء يجب أن يدفعنا إلى فهم أهمية لفت اهتمامنا لحاجات الشبيبة اليوم بالإضافة إلى العمل على الاهتمام باحتياجات أهلهم في بعض الأوقات بالإضافة للأشخاص الذين نحن على تواصل معهم ضمن بيئة عملنا الرعوية.

في الحقيقة فإن الشبيبة لا تلجاً إلينا غالباً طلباً للإرشاد الروحي بل بالحري بسبب الضغوطات اليومية التي يمرّون بها فيجدون أنفسهم مواجهين الشكوك والصعوبات والصراعات الداخلية والقرارات المتوجب عليهم اتخاذها والمواقف المتأزمة والواجب التعامل معها.

فبشكل عام فإن الشبيبة تتقرب فقط إذا رأت أن هنالك شخص ما يبادر باتخاذ الخطوة الأولى عن طريق إيلاء الاهتمام اللازم بها والتقرب منها، عندها تصبح هذه اللقاءات العشوائية البوابة الرئيسية التي تفتح الطريق أمام مسيرة المرافقة المنشودة.

هذا ما حصل خلال اللقاء بين يسوع الذي توجه إلى البئر للحصول على بعض الماء والمرأة السامرية التي كانت متوجهة للغرض ذاته.

2.      لقاء يدفع الشخص للمضيّ قدماً:

 أجابها يسوع: ((لو كنت تعرفين عطاء الله ومن هو الذي يقول لك: اسقيني، لسألته أنت فأعطاك ماء حياً)).   قالت له المرأة: ((يا رب، لا دلو عندك، والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟  هل أنت أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر، وشرب منها هو وبنوه وماشيتهأجابها يسوع: ((كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش ثانية)). وأما الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش أبداً بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية.  قالت له المرأة: ((يا ربّ، أعطني هذا الماء، لكيلا أعطش فأعود إلى الاستقاء من هنا)) (يو4، 10-15).

إن يسوع بكونه معلّماً للحكمة ومحاوراً ماهراً، فهو يستفيد من كل ما تقدمه الكلمة من تعابير وإيحاءات ليتواصل مع الناس.

ü   يطرح الأسئلة، يناقش، يشرح، يخبر القصص، ينتبه لأسلوب الحوار مع الأشخاص الماثلين أمامه محاولاً فهم الأمور، طارحاً الاقتراحات اللازمة، مثيراً لردة الفعل.

ü   يساعد المرأة على مواجهة الواقع الذي تعيشه وأجوبتها المراوغة؛ آخذا بعين الاعتبار وموضحاً وضعها الحرج، كما تقول في المقطع اللاحق ’’ ليس لدي زوج".

ü   لا تتثبط همّة يسوع، ولا يستسلم عندما يواجَه بالمقاومة في البداية.

ü   إن الحوار يساعد المرأة على توضيح الغموض، ويكشف لها نفسها بطريقة صادقة؛ والردود المبهمة والمستفزة بعض الأحيان تقرّب المرأة أكثر وتنمي لديها الثقة وتشعر بالمفاجأة ما يدفعها للمضي قدما بحثاً عما يحسّن حياتها.

إن يسوع وبكونه متعمقاً في الإنسانية ويمكننا القول بأنّه مختص بها، فهو يُبدي اهتماماً جمّاً بالعالم الداخلي لكل من يلتقي بهم، يقرأ قلوبهم ويصل إلى أعماقهم ويلمس قلوبهم.

إن مواقف يسوع هذه تساعدنا أكثر على فهم واستيعاب أهمية عطية المرافقة وتمييز الدعوة.

يأخذ موضوع تمييز الدعوة في الكنيسة أبعاداً مختلفة: على سبيل المثال تمييز علامات الأزمنة، تمييز التصرفات الأخلاقية، التمييز الروحي في سبيل النمو في الحياة المسيحية، التمييز الروحي فيما يتعلق بدعوة الحياة الشخصية والخيارات المتاحة في الحياة.

في كل هذه الحالات يعتبر الحوار مع الله والإصغاء إلى صوت الروح القدس أمرٌ أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، بالإضافة إلى ذلك هناك بعض الأمور الأساسية (أساسات) التي تجعل من التمييز أمراً ممكن التحقيق.

·       نقطة الانطلاق التي تساعد الشخص، الشاب والشابة، الزوجين أو أحد الطرفين هي أن يعطوا معنى وهدفاً لحياتهم. فقط في هذا المنظور سيتمكن الإنسان من رؤية ما لا يسير بشكل جيد في حياته.

·       عندما لا يكون الإنسان مستقراً فإنه يفتقد إلى الانسجام والاتزان ولا يجد معنى حقيقي لحياته أو لحياتهما (في حالة الزوجين)، للعائلة مما يمكن أن يجعله يصل إلى (فراغ وجودي) يؤدي إلى فقدان البوصلة وانعدام الوجهة والعيش في حالة من التخبط.

·       إن البيئات المجتمعية التي نعيش فيها تدفعنا إلى التفكير والتركيز على الأمور الخارجية دون الالتفات إلى الداخل ونحو العمق، فنتحول إلى أشباه أشخاص يهتمون فقط بالمظاهر الخارجية ويسعون إلى التشبث بالحياة وعدم عيش الشيخوخة بحجة أنها غير مرغوب فيها، كل هذا يدفعنا إلى السعي لتربية الأشخاص على التعمق في الحياة والولوج إلى العمق.

كل هذه الظروف تحثنا على عيش التمييز والتعمق فيه. فكل شخص يرغب أن يبدأ مسيرة تمييز عليه أن يعرف ويفسر ويختار، وذلك بحسب ما أوصى به البابا فرنسيس في رسالته التحضيرية للسينودس[1]

التعرّف بحسب إلهامات الروح القدس:

ü   امتلاك الصفاء بلحظات الحياة السعيدة والحزينة؛ وخلال تجارب الصراع الداخلي الواقعي.

ü   يساعد على تحقيق كل الميزات العاطفية التي من الممكن أن تكون موجودة عند الشخص، وتسمية كل ما يختبره الفرد أو ما نجده حاضراً في نفوسنا.

ü   تذوّق "النكهة" التي أجدها في التناغم أو التنافر بين ما أختبرُه وما هو في عمق قلبي.

ü   كل هذا تنيره كلمة الله التي يجب أن يتأمل الفرد بها. وجعل القدرة على الإصغاء أمراً مركزياً؛ طبيعة الشخص المؤثرة، من دون أن يكون خائفاً حتى من الصمت.

ü   اعتبار كل ما يحصل في الحياة كجزء من رحلة النمو والنضوج الشخصي.

-           التفسير

ü   أي فهم ما يوحيه الروح القدس للشخص من خلال ما يحركه في أحشاء كل أحد.

ü   التفسير والتفسير الذاتي هو عملية غاية في الحساسية تتطلب الصبر واليقظة وأيضاً معرفة محددة، فمن المهم أن نكون مدركين ومتفهمين لوجود حالات اجتماعية وفيزيولوجية مختلفة.

ü   إنه من الضروري على الفرد مواجهة الواقع، وفي الوقت نفسه عليه ألا يكتفي بالحد الأدنى، أو التعامل فقط مع ما هو سهل؛ إذ علينا أن نكون مدركين لنِعَم الشخص وإمكانياته.

ü   إن نقطة التفسير لا يمكن أن تتطور عند أي مؤمن و أي مسيحي إذا لم تتضمن:

§       حوار حقيقي مع الرب (على مثال الحوار بين المرأة السامرية ويسوع)

§       تفعيل كل القدرات والمواهب الشخصية (بحيث لا يمر أي حدث في حياة الإنسان مرور الكرام، على مثال الحدث الذي غيّر حياة المرأة السامرية خلال اللقاء الحاصل مع يسوع).

§       مساعدة شخص ذو خبرة بالإصغاء للروح (في النص الإنجيلي هذا الشخص هو يسوع نفسه)

-        الاختيار

ثم يحين الوقت الذي يجب فيه على الفرد، الشاب، الزوجة أو الزوج، أن يقرروا، ممارسين حقهم في الحرية البشرية والمسؤولية الشخصية.

إذ توجّب على المرأة السامرية الاختيار بين تجاهل يسوع ومتابعة حياتها كأنّ شيئاً لم يحدث في ذلك اللقاء، أو أن تتخذ القرار الذي يسمح لها أن تنبهر بيسوع وتتابع معه المسيرة، لدرجة دفعتها إلى دعوة أهالي مدينتها لأن ذلك الرجل وصل لعمق حياتها الباطنية.

ü   فالخيار المُتّخذ والمميز بنور الروح، يقود في الغالب إلى حرية الشخص، وفي الوقت ذاته يتطلب الالتحام بالحياة.

ü   ولهذا السبب، من الممكن القول بأن تشجيع الأشخاص وبشكل خاص جدّاً الشبيبة على اتخاذ القرارات الحياتية والتي هي حرّة ومسؤولة هو الغاية القصوى لكل عملية جدّية برحلة الإيمان والنمو الشخصي (وبأي خدمة راعوية ممكن تصورها).

التمييز الروحي – يقول لنا البابا – ’’ هو الوسيلة الرئيسية التي تقوم بحصانة حُرمة الضمير، بدون أن تتجرأ على اســتبداله"[5] وذلك بالضبط لأننا ’’ قد دُعينا لنكوّن ضميراً، لا لكي نستبدله"[6] اقتداءً بيسوع الذي بحواره مع المرأة السامرية , يرافقها برحلة نحو الحقيقة و نحو حياتها الباطنية .

3.      لقاء يغّير الحياة:

 وصل عندئذ تلاميذه، فعجبوا من أنه يكلم امرأة، ولكن لم يقل أحد منهم: ((ماذا تريد؟)) أو ((لماذا تكلمها؟)) فتركت المرأة جرّتها، وذهبت إلى المدينة فقالت للناس ((: هلّموا فانظروا رجلاً قال لي كل ما فعلت. ((أتراهُ المسيح؟))
فخرجوا من المدينة وساروا إليه.

فآمن به عدد كثير من سامريي تلك المدينة عن كلام المرأة التي كانت تشهد فتقول: ((إنه قال لي كلّ ما فعلت)).فلما وصل إليه السامريون سألوه أن يقيم عندهم، فأقام هناك يومين. فآمن منهم عدد أكبر بكلامه، وقالوا للمرأة: ((لا نؤمن الآن عن قولك، فقد سمعناه نحن وعلمنا أنه مخلص العالم حقاً)). (يو4، 27-30، 39-42).

 

تدخل المرأة السامرية المشهد الإنجيلي بصفتها "امرأة من السامرة" ومن ثم تخرج منه وقد أدركت بوضوح تام مكمن نبع الماء الحي فشعرت بكمية من الفرح لا توصف بسبب اكتشافها هذا فهرعت مسرعة إلى أهل قريتها لتخبرهم عمّا حصل معها وبفضل شهادتها الحية تقرّب الكثيرون من يسوع.

بالنسبة للناس الذين يلتقي بهم حالهم حال المرأة السامرية، فإنّ يسوع لم يقدّم لهم أموراً إضافية زائدة عن معهرفتهم السابقة ولكنه قدّم لهم إمكانية تغيير مسيرة حياتهم والنمو بها. حتى أنّ "بئر يعقوب" والذي يُعتبر رمزاً للحكمة الآتية من الشريعة، قد فقد قيمتَه وتمّ استبدالُه بينبوع الماء الحي.

إن صورة الله التي ظهرت من خلال هذا اللقاء مع يسوع لم تكن صورة إله جامد، بعيد، فلسفي، بارد. بل على العكس فإن يسوع يُظهِر نفسَه كإله معطٍ للحياة، نستطيع أن ندعوه أباً، غير منغلق على نفسه، لا يسعى نحو السيطرة والامتلاك، لأنه روح (العبادة بالروح والحق).

خلاصة هذا اللقاء تذهب لأبعد من توقّعات المرء بنهاية اعتيادية، فالمرأة لن تعود لحياتها الطبيعية بجرّة مليئة بالمياه، لا بدلاً عن ذلك، تترك الجرّة خلفها فارغة وتهرع لتدعو جيرانها، فهي تحدّثنا بذلك عن ربح لا عن خسارة.

مثل يسوع ... لنرافق

هناك العديد من النصوص الإنجيلية التي تخبرنا عن مرافقة الله لشعبه عبر العصور.

في الحدّ بين عهدي الكتاب المقدس، يظهر يوحنا المعمدان كالمرافق الروحي الأول في الإنجيل، إذ أنّه مرافق يسوع الأول. يوحنا المعمدان كان يشهد ويحضّر الطريق لأنّ الله كلّم قلبه.

في عدّة مناسبات مذكورة في العهد الجديد يجعل يسوع من نفسه قريباً، رفيق سفر ليتواصل ويلتقي الناس في عصره بطريقة شخصية. لقاء الرب مع السامرية يساعدنا على رؤية الطريق الذي يعمل به روح الله بقلب كل رجل وامرأة. هذا القلب البشري الذي بسبب هشاشته وخطاياه يشعر بالحيرة والانقسام، منجذباً نحو الأهواء والميول المتناقضة غالباً والمختلفة.[7]

أمام هذا الواقع الإنساني، فإنّ المرافقة الشخصية ظهرت كوسيلة فعّالة جدّاً في تقليد الحياة الروحية، وذلك رغبة في مساعدة المؤمنين على الاستفادة من الوسائل والنعم التي تمكّنهم من تمييز حضور الرب وتحدياته ودعواته.

كيف يمكننا أن نصف المرافقة؟ مثلاً "نوع من الحوار المستمر بين الرفاق لتقبل الحياة، من خلال مرافقتها؛ حوار يهدف إلى تسليط الضوء على أهمية العلاقة بين الشخص كفرد والرب، مساعداً الشخص للتغلّب على أي عائق ممكن.

كما حدث في كل لقاء بين يسوع والأشخاص، من المهم أن تتّسم كلّ خبرة مرافقة بـــ:

ü   نظرة مُحِبّة، كتلك التي رمقها يسوع للاثني عشر عندما دعاهم (يو 1، 35 – 51)

ü   كلمة ذات سلطة، كالتي قالها يسوع في مجمع كفرناحوم (لو 4، 32)

ü   القدرة على التقرّب من الأشخاص كما تقرّب يسوع من المرأة السامرية (يو 4، 3 – 34 / 39-42)

ü   القرار بالمسير جنباً إلى جنب، لنصبح رفيق سفر مثل يسوع والتلميذين على طريق عماوس (لو 24، 13-35).

لذا، فالمرافقة تتطلب:

معرفة مسار الرحلة التي يخوضها الشخص الآخر، النقطة التي وصل إليها والوجهة التي يقصدها، فتكون هنالك إمكانية للمضي قدماً سوياً.

التأكيد على أن اللقاء هو فرصة لبناء علاقة إنسانية ومؤنسِنة وليست نفعيّة.

بسلوكٍ إصغائي (مرة أخرى نؤكد على أهمية فن الإصغاء!)، ما يجعل من الممكن معرفة وفهم من أين أتى الآخرون، مسار الرحلة الذين هم فيها، الحالة التي هم فيها سواء الحزن أو نقص الرجاء أو الإرهاق أو البحث.

وهي دوماً مسألة لقاء بالوساطة، لأن المرافق الحقيقي دوماً هو الروح القدس.

المرافق ورفيق السفر (المرشد والمسترشد) يجب أن يصبحا شاهداً و مبشّراً لعمل الروح بالشخص المُرافَق لكن بطريقة هادئة، متواجداً على الجانب، راضياً بشغل موقعه المخصّص و ليس موقعاً آخر. بالحقيقة إن المرافق الروحي يتقولب في التجربة الأساسية بأن نكون أولاً ملتقين معه أي مع الله.

مكتشفين الطريق الذي يظهر الله به ذاته بحياتنا لدرجة مفاجأتنا عندما نلتقي معه.

المبادرة سوف تكون دوماً من قِبل الله؛ نحتاج لإظهار المسؤولية و الحرية.

 

كل هذا يتم خوضه بواسطة عملية تربوية متتابعة، والتي تعتبر شائعة جدّاً في التقليد الروحي. "الحياة المسيحية تُعاش بطريقة تقدّميّة، تبعاً لدرجات محدّدة من العمق والامتلاء، وهو دوماً منفتح لتقدّم أكبر".[9]

-        العمليات اللاحقة يجب ألا تكون مفروضة على المرء سواء من الداخل أو من الخارج.

-        إلى الدرجة التي نصبح فيها واعين للعملية والعمل على شخصنتها، مسلّمين أنَّ الروح هو الذي يحركها داخل كل شخص.

4.      في أي نشاط رعوي نفكّر ...؟

سوف يكون هذا الجزء هو الأخير من الرسالة العامة، والذي سوف أتحدّث عنه مليّاً في نهاية السنة، لأنه مرتبط بالآلية التي تم فيه تطبيق العملية الرّعوية فيما تحدّثنا عنه سابقاً. سوف أشير للنقاط الاستراتيجية (المفتاحية) للأسلوب الرعوي للكنيسة في أيامنا الحالية، ولما هو خاص بروحانيتنا الساليزيانية. أنوي أن أطوّر النقاط التالية التي من خلالها أنوي الإشارة إلى بعض العناوين الممكنة:

السير مع الشبيبة، مع العائلات، مع الآباء والأمهات، الذين يحتاجون لاتباع هذا الطريق، وباعتبار بقية الجماعات في العائلة الساليزيانية بالعالم المنخرطين في رسالتهم.

إعطاء الفرصة لكلّ الشبيبة دونما استثناء، لأن الروح يعمل بكل شخص.

بوجود جماعة علمانية أو دينية أو تربوية رعوية تشعر بأنها مسؤولة عن تربية الجيل الجديد.

 يصبح الأشخاص الراشدون من هذه الجماعة ذوي مرجعية مسؤولة وذوي مصداقية عالية. 

 بالوسائل المناسبة.

5 . بالشركة مع المرأة السامرية... مثلما دعى يسوع تلاميذه، نحو أي هدف سوف يقودنا اليوم ...؟

                                  الرئيس العام للسالزيان الأب آنخل فرنانديز آرتيمه

 

 

scuola Nazareth

al fidar photo