الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2015 رسالة الرئيس العام

 

التوجيه الرسولي لعام 2015

 على مثال دون بوسكو

 مع الشبيبة ولأجل الشبيبة

الأب أنخل فيرناندز أرتيمي، الرئيس العام

 

إعداد الأب فيتّوريو بوتسو السالسي

المقدّمة

منذ 16 آب/أغسطس الماضي، بدأت الرحلة السنوية الكبيرة التي هي الاحتفال بالمئويّة الثانية لميلاد دون بوسكو، أبي عائلتنا السالسية ومؤسّسها. مئتا عام تفصلنا عن ذلك اليوم الذي فيه، في قرية صغيرة غير بعيدة عن مدينة تورينو، بزغت ثمرة حبّ لزوجين مسيحيَين، هما فرنسيس ومرغريتا، هي طفلهما يوحنّا، كهبة إلهية للعالم، لأن الله بالذات أقام يوحنّا بوسكو فيما بعد أبا ومعلّما للشبيبة، وهو الآن معروف ومحبوب ومكرّم في أغلب أنحاء العالم.

 سوف تكون هذه السنة حافلة بالأحداث والاحتفلات الكنسية والمدنية الرسمية، منها عرض استثنائي لكفن المسيح في تورينو مع زيارة البابا فرنسيس  في 21 حزيران/يونيو، ومؤتمرات دولية مختلفة، منها مؤتمر المنطقة للسالزيان المعاونين في إيطاليا ومالطة والشرق الأوسط ومشاركة السالزيان في معرض ميلانو الدولي (لمدة 6 أشهر وحضور 140 بلدا) وغير ذلك، ولكن الأهم بالنسبة إلينا، أعضاء العائلة السالسية، أي أبناء دون بوسكو وتلاميذه، أن نكمّل المسيرة التي بدأناها منذ 3 سنوات متتالية بالتركيز على تاريخ (أي سيرة حياة) دون بوسكو، ثمّ على تربويّته وروحانيّته. وقد حان الآن الوقت للتركيز على رسالته لتكون النظرة إليه شاملة وكاملة وليكون هو مرجعنا الحقيقي ودليلنا في حياتنا السالسية باختلاف دعواتها، المكرّسة والعلمانية.

نشكر ألله الذي أعطانا أن نكون هنا، بعد مرور مئتي عام على ميلاد دون بوسكو، لكي نشعر بأننا لا نزال هبة الله للشبيبة، وبأن الموهبة السالسية لا تزال حيّة وعصرية لأنّها تجعلنا في قلب قضايا العالم، وبخاصة في قلب مشاكل الشبيبة، لأن دون بوسكو لا يزال يوجّه كلمات ويطرح أفكارا لشباب العالم، جاذبا إياهم بإنجيل الفرح والانفتاح على الحياة والحق، أي على يسوع الذي قال عن نفسه: "أنا الطريق والحق والحياة".

حياة دون بوسكو وقداسته تكوّنتا من خلال حضوره الدائم بين الشياب، فهم الذين ساعدوه لينمو في إنسانيّته وفي إيمانه ومحبّته وقداسته: "فرحي وحياتي أن أكون بين الشباب"، وكيّفوها بشكل مميّز بحيث لا يجوزالفصل بين دون بوسكو والشباب ولا بين الشباب ودون وبوسكو: إنّهما يشكّلان طرفَي مغامرة مشنركة دامت مدّة حياة دون بوسكو، وبعد موته استمرّت المغامرة مع العائلة السالسية وتوسّعت لتبلغ أقصى بلدان العالم. للحفاظ على استمرارية المعادلة "دون بوسكو - الشباب"، نحن مدعوّون خلال هذه السنة إلى تجديد نظرتنا إلى رسالتنا بين الشباب وتجديد أساليبنا الراعوية بأن نجعل موهبة دون بوسكو أكثر إشعاعا وأكثر تطبيقا للظروف الراهنة في نفس الوقت، بحيث لا يزال دون بوسكو حاضرا بين شباب اليوم من خلال حضورنا فيما بينهم. ألله ينتظرنا في الشباب ليعطينا نعمة اللقاء به. والشرط الوحيد لتحقيق ذلك ما يطلبه منا الرئيس العام بالتوجيه الرسولي لهذا العام: أن نكون مثل دون بوسكو مع الشبيبة ولأجل الشبيبة.

1.   دون بوسكو مع الشبيبة ولأجلهم

لا شكّ أن دون بوسكو في التعاطي مع الأولاد كثيرا ما نزل إلى مستواهم لأنه كان يشاركهم ألعابهم واهتماماتهم المختلفة، الأمر الذي أثار العجب أو النقد لدى عدد من زملائه الكهنة والمشاهدين، حتّى إنّهم  اعتبروه مختلّ العقل وغير مبال بهيبة الإكليروس وكرامته، بل معرّضا إيّاه للاحتقار والازدراء، ولكن ما كان يبرّر مواقفه هذه نظرته إلى الشبيبة التي اختلفت تماما عن نظرة أغلب زملائه ومعاصريه، وشرح هو نفسه السبب انطلاقا من خبرة سلبية جرت في طفولته مع بعض الكهنة: كان يسلّم عليهم بانحناء الرأس إجلالا للثوب الكهنوتي وهؤلاء يردّون على السلام بأدب، ولكن بدون أن يتوقّفوا ويتعاطوأ معه. كأن يبدو أن ثوبهم الكهنوتي الأسود يفصلهم عن سائر الناس وخصوصا عن الأولاد، لأن تنشئة الإكليريكيين آنذاك كانت تشدّد على هيبة رجال الدين ووقارهم وابتعادهم. فكتب دون بوسكو في هذا الأمر: "كنت أستاء من ذلك استياءً شديدا فأقول لأصحابي: إذا اتّفق لي أن أصير كاهنا فسأفعل ما يخالف ذلك مخالفة تامّة، سأتقرّب من الأحداث وسأقول لهم كلاما طيّبا وأنصح لهم نصائح حسنة". فهذه هي الثورة الصامتة التي أدخلها يوحنّا بوسكو بين كهنة المستقبل، حيت تنازل معظمهم عن الوقار الذي يُبعد ليلبسوأ ثوب اللطف المبتسم الذي يزيل البُعد. وهذه هي وصيّة واضحة وصريحة لتلاميذه.  فهدف الكاهن الشابّ الذي أخذ يتوجّه مبتسما ومنفتحا إلى المشرّدين في شوارع تورينو، نازلا إلى مستواهم ليجذبهم، لم يكن سوى إزالة البُعد، لأنّها الشرط الأول والخطوة الأولى الممهِّدة لإقامة علاقات ثقة وصداقة معهم، وبالتالي تفتح الباب للعمل التربوي وللتنشئة الدينية ولكل ما يريد المربّي أن ينقله إليهم أو يطلبه منهم. لذلك كان دون بوسكو منذ البداية "مع الشبيبة" ليستطيع أن يكون لاحقا "لأجلهم"، ولكن مواقفه الخارجيّة ما كانت سوى تعبير عن قناعته العميقة وموقفه الداخلي، أي حبّه الشديد لهم الذي عبّر عنه مرارا وتكرارا:  "يكفي أنّكم شبيبة لكي أحبّكم كثيرا"؛ "هنا معكم أنا بخير، فحياتي أن أبقى معكم"، واستعداده التامّ لبذل حياته لأجلهم: "وعدت الله بأن تكون حياتي حتّى رمقي الأخير في سبيل شبّاني الفقراء"؛ "لأجلكم أتعلّم وأعمل وأحيا؛ ولأجلكم أنا مستعدّ أن أبذل حياتي". فماذا تكمن هذه الكلمات سوى صدى ما قاله وصنعه يسوع، الراعي الصالح: "ليس من حب أعظم من حب من يبذل حياته في سبيل أحبّائه" و"الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف". فهنا فقط نجد ينبوع ممارسات دون بوسكو. في شخص الراعي الصالح نكتشف جذور دعوة دون بوسكو الرسولية، أي هويّته كراعي الشباب، وبالتالي نستطيع أن نكتشف هويّتنا السالسية أيضا. علاقة يسوع الراعي الصالح بدون بوسكو إذًأ علاقة مباشرة ومن عمق هذه العلاقة وأصالتها ينبثق نجاح رسالته.

2.   دون بوسكو صورة طبق الأصل ليسوع الراعي الصالح

كان يسوع الراعي الصالح مع نلاميذه ولأحلهم، قبل أن يكون الراعي الصالح للجموع. كانت تصرّفاته تختلف تماما عن تصرّفات الكهنة والكتبة وعلماء الشريعة والفريسيّين. ينكرّس كلّيا للناس، للشعب: يتواجد بينهم، إلا في الليالي التي يُمضيها مصلّيا الآب، والجموع تركض وراءه وتبحث عنه إذا غاب. حضور يسوع بين الناس حضور شخص ينحني نحوهم ويتحنّن عليهم إلى درجة أنّه يصنع العجائب، مثل تكثير الخبز والسمك، ويوضح الإنجيل السبب قائلا: "لأنّهم كانوا كخراف بلا راع" (مر 6: 34). يُعنى بالفقراء والمرضى والصغار والخطأة، أي بالأشخاص المهدّدين بالتهميش، "المُرهَقين والمثقَلين" (مت 11: 28)؛ يدعو بملكوت الله الموجود في الواقع اليومي وفي الأمور الصغيرة، ويصف دوره بالنسبة إليهم بتحديد هويّته: "أنا الراعي الصالح"، موضحا ملامحه ومواقفه: يعرف خرافه، يدعوها بأسمائها، يرافقها دائما، يقودها إلى المراعي الخصبة، يحميها، يدافع عنها، بفتّش عنها إذا ضاعت ولو واحدة فقط، يهتم بالخراف التي ليست من حظيرته، متمنّيا أن تكون رعية واحدة وراع واحد، وذروة اهتمامه بالخراف أنّه يبذل حياته في سبيلها، وأكّد على صحّة أقواله وخدمته بأن بذل حياته فعلا.

أمّا بالنسبة إلى تلاميذه فهدفه الأوّل أن يجعل منهم رعاة على مثاله لامتداد رسالته من خلال الكنيسة؛ لذلك دعاهم واختارهم وأراد أن يكونوا معه واعتنى بتنشئتهم وأشركهم في رسالنه وأرسلهم ليبشّروا بملكوت الله ويُثمروأ... وبصورة أخرى دعاهم "صيّادي بشر" (مر 1: 17).

ولننظر الآن إلى دون بوسكو لنكتشف فيه ملامح الراعي ااصالح وطريقة عمله الراعوي. نقرأ في قوانين السالزيان "إن مسيح الإنجيل مصدر روحنا" (المادة 11)، فانطلاقا من يسوع الراعي الصالح ننتقل إلى دون بوسكو الراعي وإلى عمله الراعوي الموجّه أوّلا إلى السالزيان ومن خلالهم إلى الشبيبة. أمّا الإشارة الصريحة إلى الراعي الصالح "المستميل بالوداعة وبذل الذات" فتُشير بوضوح إلى أن التمثّل بتصرّفات ومواقف الراعي الصالح (أي يسوع أوّلا ودون بوسكو ثانيا) يستطيع أن يلعب تأثيرا إيجابيّا على الشبيبة (استمالتهم وجذبهم) من خلال المحبّة، المعبَّر عنها "بالوداعة وبذل الذات". (راجع قوانين بنات مريم أم المعونة 1، 63؛ ومشروع الحياة الرسولية للمعاونين: 1، 10، 15). وأخصّ بالذكرأيضا كثرة إشارة دون بوسكو إلى صورة الراعي في الكتاب المقدّس. لذلك، ليس من الصدفة أن نسمّي المحبّة التي نسعى إلى ممارستها وراء يسوع الراعي الصالح ودون بوسكو، "بالمحبّة الراعوية".

3.   "مع الشبيبة": أساس نجاح العمل معهم

العبارة "مع الشبيبة" تدلّ على مجموعة مواقف تتواجد وتتشابك في نفس الوقت وتعبّر عن نوعيّة العلاقة القائمة بين المربّي والشباب. والكلمة الأساسية هنا هي "العلاقة"، أي واجب المربّي أن يكون معهم وضرورة ذلك. (أترك لكم اكتشاف الفرق بين الواجب والضرورة...، مشيرا فقط إلى الجانب الشخصي وإلى الجانب الموضوعي للأمر، تسهيلا للاكتشاف):

أ‌)       بدون علاقة يوجد الشعور بالغُربة. فأي نوع من التربية ممكن في غياب العلاقة؟ قد يجوز نقل معلومات ومعارف، ولكن لا تأثير في تنشئة الشخص ولا مرافقة تهدف إلى تنميته. والعلاقة بحدّ ذاتها أهمّ من منهجية أو كيفيّة إقامتها ومضامينها.

ب‌)   نوعيّة العلاقة بأسلوب دون بوسكو تتميّز قبل كل شيء بالتعاطف معهم لأنّهم شباب: "يكفي أنّكم شبيبة لكي أحبّكم كثيرا". وهذا التعاطف والحنان لا يتوجّهان فقط نحو الصغار، أي الأطفال، ولكن أيضا، بل خصوصا، نحو المراهقين والشباب الذين كثيرا ما يحاولون الابتعاد، أو أحيانا الفرار من المربّين، خصوصا إذا سعى هؤلاء إلى إقناعهم بالضغط أو بأساليب لا تحترم شخصيّتهم وحرّيّتهم. وللحفاظ على النوعيّة، لا بدّ من المشاركة الفعلية في اهتماماتهم وتطلّعاتهم وانتظاراتهم، والأخذ بعين الاعتبار ظروف حياتهم الواقعية، من مكان وزمان وترفيه ومشاكل الخ...

ت‌)   إبراز فرح التواجد والبقاء معهم: "فرحي وحياتي أن أكون بين الشباب"، ليس فقط بالاعتناء بهم، ولكن بأن  يكون الدافع الأساسي لنموّهم وإنضاجهم العمل معهم، وأن يشعروا بذلك، أي أن لا أحد يبتغي إرضاء الآخر فقط، وإنّما السعي معا إلى أهداف أسمى وإنجازات جديدة.

ث‌)   هدف هذه العلاقة بالنسبة إلى المربّي أنّها فرصة مميّزة لمعرفة الشباب معرفة مباشرة نابعة من الخبرة، وليس معرفة مبنيّة على أقوال الناس أو مسلسلات التلفزة. لا شكّ أن معرفته محدودة، لكنّها ملموسة، وهذا أفضل من معرفة نظرية وعلمية موسّعة.

ج‌)     ولا ننسَ أخيرا أهمّية معرفة المربّي من قبل الشباب، الناجمة عن العيش معا، فمن خلال المشاركة المطوّلة يستطيع المربّي أن يكشف عن دوافع عمله ومعايير خياراته والقيَم التي يؤمن بها، وكأن حياته كتاب مفتوح أمامهم. فكل هذه الأمور تجعله أكثر مصداقيّة ونأثيرا، وتعزّز قيمته وسلطته أمامهم.

لمّا كان دون بوسكو يقول لتلاميذه:"أريدكم سعداء على هذه الأرض وقي السماء"، كانوا يصدّقون كلامه لأنّهم كانوا يختبرون كل يوم أنه لم بكن يعبّر عن مجرّد رأي أو قناعة أو تمنٍّ، ولكن أنّه كان يعمل فعلا لتحقيق هذين الهدفين، باذلا حياته  في سبيلهم.

4.   شباب مع شباب: رسالة الشباب بين رفاقهم في ممارسات دون بوسكو التربوية

من أقوال البابا فرنسيس قي يوم الشبيبة العالمي في ريو دي جانيرو العام الماضي: "أفضل سبيل لتبشير الشباب شباب آخرون". وهذا ينجم عن قرب الشباب بعضهم من بعض: لهم عمر واحد ولغة واحدة، ذهتيّة واحدة وإحساس واحد، اهتمامات مشتركة، ظروف حياة متشابهة، تفاهم وأحيانا تواطؤ...، الأمر الذي يسمح للمربّي بالاستفادة من هذه العناصرالمسهّلة لإقامة علاقات متساوية (الشباب مع بعض) لتشجيع تصرّفات تتميّز بتحمّل المسؤوليّات التدريجي والنموّ في الوعي. طبعا، لا يجب أن يتخلّى المربّي عن مسؤوليّاته، ولكن أن يفتّش عن نوع من التكامل بتحريك طاقات الشباب، بإقناعهم أننا جميعا ملتزمون في  نفس الخندق، أي في نفس الرسالة، ولو بوظائف متكاملة. وهذا النوع من الممارسة يعود بالفائدة إلى المربّي نفسه ويُسهم في إنضاجه، نتيجة التفاعل المستمرّ بينه وبين الشباب. للمربّي أسئلة وأجوبة وللشباب أيضا أسئلة وأجوبة.

وهذا الأسلوب هو أسلوب دون بوسكو بالذات. هو الذي أطلق أحسن الشبّان الموجودين في الأوراتوريو ليكونوا رسل رفاقهم. كانت الظروف والأساليب تختلف عن ظروف وأساليب اليوم، ولكن القناعة أن "القدوة" لها تأثير إيجابي، كانت ولا نزال قناعة راسخة لدى المربّين والمرشدين الروحيين وكتّاب سيَر القديسين. ما كتبه البابا الظوباوي بولس السادس: "إن عالم اليوم لا يحتاج إلى معلّمين بقدر ما يحتاج إلى شهود"، حقّقه دون بوسكو وصرّح به في مقدّمة سيرة دومنيك سافيو وميشال ماغوني: "إذا رفيق لي، من عمري ومن نفس المكان، والمعرّض لنفس الأخطار وربّما أكبر، استطاع أن يبقى تلميذا أمينا ليسوع المسيح، فلماذا لا أستطيع أنا أيضا؟".

كان يوحنّا بوسكو الطفل والمراهق الموهوب لا يحتفظ بمواهبه لمصلحته، بل وضعها في خدمة رفاقه في تنشئتهم الدينية وتثقيفهم (راجع أهداف جمعيّة الفرح وتنظيم لقاءات أعضائها). لبّى الدعوة لأن يكون رسولا، مستفيدا من كل ما تعلّمه في البيت ومن مواعظ الكهنة ومن الكتب التي كان يطالعها ومن إلهامات الروح القدس. وفي الأوراتوريو، لمّا اكتشف مواهب دومنيك سافيو وغيره من تلاميذه، لم يتردّد  أن يدعوهم إلى التعاون معه لخلاص النفوس، أي إلى القيام برسالة صريحة بين رفاقهم، خصوصا في الملعب، وشجّع دومنيك على تأسيس جمعية (أو أخويّة) الحبل بلا دنس، وهدفها، فضلا عن تقديس الذات من خلال الصلاة والقيام بالواجبات والإكرام لمريم العذراء، كان أن يلعب أعضاؤها دور"الملاك الحارس" تجاه رفاقهم الجدد لكي يتأقلموا في الأوراتوريو، والمشاغبين وغير الانضباطيّين والكسالى والبعيدين عن الممارسات الدينية أو المهملين فيها. في أجواء التبشير الجديد اليوم، يمكننا القول إن دومنيك سافيو بطل قداسة شبابية قائمة على القيام بالواجبات الخاصّة بحالته (الدرس، اللعب، الفرح، الصداقة)، بما فيها التبشير بالإنجيل بين رفاقه بشجاعة في جميع الظروف. كان دون بوسكو وراء دومنيك وأصدقائه للتوجيه فقط، تاركا لهم حرّيّة المبادرة، الأمر الذي ساهم كثيرا في إنضاج هؤلاء الشبّان رسوليّا ليصيروا رجالا أغنياء بالإيمان والغيرة الرسولية والسخاء. واستفاد دون بوسكو من بعض منهم لتأسيس رهبنة السالزيان.

5.   لأجل الشبيبة

إن هدف كوننا مع الشبيبة أن نكون لأجلهم، أي أن نهدف إلى نموّهم الإنساني والإيماني، وقد لخّص دون بوسكو هذا الهدف بالعبارة "مواطنين أمناء (أو مخلصين) ومسيحيين صالحين"، عاملا بكل الوسائل لتحقيقه. لا حاجة إلى تذكير كل ما قام به دون بوسكو لأجل الشبيبة وكيفيّة القيام به، لأنه معروف. علينا فقط أن نلبّي دعوة الرئيس العام ونرى ما يمكننا القيام به وكيفيّة القيام به لنكون دون بوسكو اليوم لشباب محيطنا. يعيدنا الرئيس العام مرارا إلى توجيهات، بل إلى مطلب البابا فرنسيس الملحّ: "لننطلق، لننطلق كي نقدّم للجميع حياة يسوع المسيح. أكرّر هنا للكنيسة جمعاء ما قلته مرارا لكهنة بونس أيرس وعلمانيّيها: أفضّل كنيسة مصابة ومجروحة وملوّثة لأنها سلكت الطرقات، على كنيسة سقيمة بسبب الانغلاق ورفاهة التمسّك بأمانها الخاصّ. لا أريد كنيسة منشغلة بأن تكون المحور فيؤول بها الأمر إلى الانغلاق في تشابك تحدّيات وإجراءات. إذا كان هناك شيء مقدّس يجب أن يشغَلنا ويُقلق ضميرنا هو أن العديد من إخوتنا يعيشون محرومين من قوة صداقة يسوع المسيح ونوره وتعزيته، محرومين من جماعة مؤمنة تتقبّلهم، من أفق معنى وحياة" (فرح الإنجيل 49). لذلك يدعونا جميعا إلى "ألخروج" وإلى التوجّه إلى "الضواحي"، أي المناطق المحرومة وسكّأنها، أي الفقراء والمهمّشين والمظلومين، وبينهم أطفال وشباب كثيرون، أي الذين فتّش دون بوسكو عنهم وعُني بهم في ضواحي مدينة تورينو، والذين يجب أن نفتّش عنهم ونُعنى بهم  في محيطنا. فكيف؟ أركّز على أربع نقاط قد تكون تطبيقا عمليّا لمطلب البابا فرنسيس وللتوجيه الرسولي:

أ‌)       الخروج من الفَردانية والعزلة والمعايير المجمّدة (كلمات البابا فرنسيس). لا أحد يكفي لنفسه أو يكفي لكل شيء، فلا يفكّر أحد أنّه ضروري، ولا بدّ منه للرسالة: فالعالم قد خلّصه يسوع المسيح... وما علينا سوى أن نقول، كما ورد في الإنحيل: "إذا فعلتم جميع ما أُمِرتم به فقولوا: نحن عبيد لا خير لهم، وما فعلنا إلاّ ما كان يجب علينا أن نفعل" (لو 17: 10)، أي التواضع  في الخدمة موقف إنجيلي بامتياز، خصوصا للرسول.

ب‌)   الذهاب إلى شبيبة الضواحي يعني نقل فرح الإنجيل إليهم، في واقعهم، وإبراز جمال الكنيسة المعبَّرعنه بجمال جماعة مسيحية، كما كانت جماعة فالدوكّو التي كان محورها دون بوسكو، جماعة تتحمّل مشاكل الشباب وتعمل على حلّها بالقرب والتعاطف والمرافقة وخلق أجواء تسهّل انسجامهم وتطوير مواهبهم، لأن "في كل شابّ، مهما لفّه الشقاء، وتر يرنّ للخير..." (دون بوسكو).

ت‌)   الخروج من الموقف السلبي، الخاصّ بكثير من العلمانيين، أنّهم يقبلون التبشير ولا بيشّرون، أو يخشون الالتزام الرسولي، "فيحاولون الهرب من كل التزام يمكن أن يحرمهم وقتهم الحرّ"(ف.إ. 81) أو لأسباب أخرى. فلهؤلاء ولجميع المؤمنين يقول البابا فرنسيس، "لا ندعنّ أنفسنا تُسلب فرح التبشير بالإنجيل" (ف.إ.83). فنحن، أعضاء العائلة السالسية، المشاركين في مشروع دون بوسكو التربوي والراعوي، لندَع بتصرف الشبيبة إبداعنا وطاقاتنا والتزامنا بشجاعة، بل بجرأة، كما فعل دون بوسكو ويطلب البابا فرنسيس. سوف لا نندم، بل سوف نشعر بفرح العطاء والتضحية.

ث‌)   الخروج من هاجس النشاط وكأنّ الرسالة  هي النشاط. السؤال ما هي خلفية النشاط ودوافعه؟ هل وراءه حياة مسيحية وروحية حقيقية النشاط ثمرها، أم فراغ يملأه النشاط وكأن النشاط يُرضي من يقومون به أكثر من أن يُفيد فعلا الذين يستفيدون منه؟ هذا "التلذّذ المزيّف – يقول البابا فرنسيس – يولّده الرضى الشخصي المركَّز على الذات" (ف.إ. 95). الوقوف إلى جانب الأشخاص والانتباه إلى حاجاتهم الحقيقية ومرافقتهم أهمّ بكثير من مجرّد نشاط لصالحهم. أستطاع دون بوسكو أن يعمل الكثير لأجل الشياب لأنّه كان متّحدا بالله وخاضعا لإلهامات الروح القدس بشكل متواصل فقيل عنه إنّه السالك أمام الله وإنّه كان يعمل وكأنّه برى غير المنظور. وحيه إذًأ سماوي وليس تحقيقا للذات.

الخاتمة:  فليكن دون بوسكو في هذه السنه اليوبيلية لميلاده أبا ومعلّما وقدوة لكل واحد منا، بحسب دعوته الخاصّة، لتكون حياتنا مع الشبيبة وعملنا لأجلهم مثمرَين من خلال استعمال الوسائل التي استعملها دون بوسكو: تكثيف الحوار معهم، مع الإصغاء والاستماع؛ تحسين طريقة الاستقبال بوجه بشوش وخلق جوّ عائلي حقيقي؛ تشجيع جميع أنواع الالتزام والخدمة من قبل الشباب؛ إيجاد الدعم اللازم للقيام بالرسالة في سرّ التوبة لاستئناف المسيرة بتنقية النفس والنوايا، وفي سرّ الإفخارستيا لاستقاء القوّة الروحية اللازمة لمتابعتها وتجديد دوافعها. ولتكن مريم، أمّ المعونة، أمّا وهادئة لنا دوما.