الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

التوجيه الرسولي 2014

"أعطني النفوس و خذ الباقي" 

نستقي من خبرة دون بوسكو الروحية

لنسير في القداسة وفقا لدعوتنا الخاصة.

"مجد الله وخلاص النفوس"

الأب بسكوال تشافيز فيلانويفا

 الرئيس العام

 

دخلنا في السنة التحضيرية الثالثة والأخيرة للمئوية الثانية لميلاد دون بوسكو، وهي سنة الروحانية، الملخّصة في الشعار: "أعطني النفوس وخذ الباقي". وفي هذه الكلمات، الواردة في الكتاب المقدّس، نجد، على مثال دون بوسكو، بذور روحانية تدفعنا نحو الآخرين، بخاصة الشباب، (روحانية رسولية) لنشهد على جمال اللقاء بيسوع، ولو اقتضى ذلك التخلّي عن الباقي، أي ما هو تافه بالنسبة إلى قيمة المسيح: "الحياة عندي هي المسيح" (فيل 1 :21) وأيضا: "أعُدّ كل شيء خسرانا من أجل الربح الأعظم، ألا وهو معرفة ربّي يسوع المسيح" (فيل 3 :8).فهذه هي القداسة التي يدعونا الرئيس العام إلى السير في طريقها، كل واحد بحسب دعوته الخاصة: العلمانية أو الرهبانية، ولكن بالاستقاء إلى نبع واحد، وهو خبرة دون بوسكو الروحية. فبالاختصار، أن نكون رجال ونساء إيمان، رجال ونساء ألله، كما كان دون بوسكو، وأن نكون على مثاله رسُلا متحمّسين لجمال هذه الخبرة: "ذاك الذي رأيناه وسمعناه نبشّركم به لتشاركونا أنتم أيضا كما شاركنا الآبَ وابنَه يسوع المسيح... ليكون فرحنا تامّا" (1 يو1: 3-4)، وليس فرحنا فقط، بل فرح الشبيبة وجميع الذين نلقاهم على دروب حياتنا.

 

وبتذكيرنا بأن الروحانية التي عاشها دون بوسكو "مركزها وجوهرها المحبّة الراعوية"، يذكّرنا أيضا بأن هناك عناصر أساسية تقوم عـليها هذه الروحانية، ولا بدّ من الاعـتماد عـليها لكي نستطيع الاعتراف بأننا نعيش هذه الروحانية كما عاشها دون بوسكو. يلخّص الرئيس العام هذه العناصر في 6 نقاط: النظر إلى قلب يسوع مصدر المحبّة، الاقتداء بالراعي الصالح، التأمّل في الكتاب المقدّس،عـيش القربان المقدّس، الصلاة الشخصية، وخدمة الشبيبة. فهذه هي المهمّة الموكلة إلينا خلال هذه السنة. فالدعوة السالسية المشتركة دعوة إلى الرجوع إلى عمق الذات لاكتشاف الدوافع الروحية لعملنا قبل أن تكون دعوة إلى ممارسات ونشاطات خارجية  مهما كانت واسعة ومكثّفة وناجحة. وخدمة الشبيبة، على مثال دون بوسكو، تأتي ثمرا ونتيجة وتدفّقا لقوّة داخلية تفيض من قلب يملؤه الله بنعمته ومحبّته.

الخطوة الأولى إذًا الإصغاء إلى كلمة الله لنفهم معنى المحبة الراعوية الصحيح، كما فهمها وعاشها دون بوسكو وتلاميذه. ومن ثُمّ سنتمكّن نحن أيضا من إيصال هذه المحبّة إلى الشبيبة في ممارساتنا التربوية.

 

 

1.    محبّة المسيح تأخذ بمجامع قلبنا (2قو 5 :14)

 

يقول الرئيس العام إن المحبة الراعوية هي "تلك المحبة التي تحثّنا على البحث عن مجد الله وخلاص النفوس"، مستشهدا بقول بولس الرسول: "محبّة المسيح تأخذ بمجامع قلبنا"، وكأن مار بولس قدوة في المحبة الراعوية، لأنه تلميذ يسوعأظهر بأعماله معنى الحياة المسيحية الحقيقية ومعنى الرسالة في خدمة يسوع وليس لأهداف أخرى، شخصيّة كانت أو اجتماعية. ألله دعاه ليكون راعيا وهو يعي معنى هذه المهمّة، معترفا بأنّها تأتي من السماء وبأنّها تتطلّب التزاما كاملا وتفانيا وثقة مطلقة بقوّة الروح القدس. يكشف القديس بولس الدافع الوحيد لعمله: محبّة المسيح ليتصالح الإنسان مع الله. محبّة الله الظاهرة في المسيح تهدف إلى المصالحة بين الله والبشر، وبالتالي فإن المصالحة هي هدف رسالة بولس وما يحدّد هويّته الرسولية. واتّجاهه في ممارساته الراعوية مدّ الجسور وهدم الحيطان والحواجزالفاصلة وإزالة المخاوف من كل ما يُبعد عن محبة الآب الشاملة وغير المتناهية، الظاهرة في شخص يسوع.

أمّا عـمليّا فخدمة بولس الراعوية  (وكذلك خدمة دون بوسكو) تتمحور حول لقاء أربعة أطراف، أو بالأحرى أربعة أشخاص أو أربعة وجوه: وجه الآب المحبّ للبشر، وجه يسوع المنفّذ لمشروع الآب الخلاصي، وحه بولس (أو وجه دون بوسكو) الذي يعكس وينقل محبة الله، ووجه المستهدف، أي الإنسان (الشبيبة) الذي يُعرَض عليه المشروع الخلاصي، وهو مشروع مجّاني، بدون شروط. فلأن محبة المسيح استولت عليه (أخذت بمجامع قلبه)، يستطيع بولس أن يصرّح في مكان آخر من رسالته إلى أهل قورنتس: "لا أطلب ما لكم، بل إيّاكم أطلب... وأجود بنفسي فدًى لنفوسكم" (2قو 12: 14-15). ألا نرى في شعار دون بوسكو "اعطني النفوس وخذ الباقي" صدى لهذه الكلمات؟ فعلينا إذًا أن نفهم أننا لا نستطيع أن نقوم بأي رسالة باسم المسيح وبروحانية دون بوسكو إلا بأن تأخذ محبّة يسوع بمجامع قلبنا بشكل نهائي وثابت، كل واحد بحسب دعوته الخاصة.

 

2.    محبّة دون بوسكو الراعوية

 

كتب دون بوسكو في مستهلّ رسالته الشهيرة من روما إلى أهل الأوراتوريو في تورينو، في 10 أيار/مايو1884 : "هذا كلام شخص يحبّكم بحنان، من خلال المسيح، ويشعر بواجب التحدّث إليكم بحرّية، حديث الأب، وأنتم تسمحون لي بهذا! أليس كذلك؟ وتستمعون إليّ بانتباه وتطبّقون كل ما سـأقوله لكم". يقول دون بوسكو: أحبّكم بحنان من خلال المسيح وأتحدّث إليكم حديث الأب. يركّز على اربع كلمات: الحب والحنان والمسيح والأب، وهي تعبّر مجنمعةً عن خصائص المحبة الراعوية السالسية. تدعى راعوية لأنّها تتمثّل بمحبة يسوع الراعي الصالح وبالتالي تتطلّب، كما قلت، رباط حبّ مميّر بيسوع. بالاقتداء بيسوع الراعي الصالح، أصبح حبّ الشبيبة مشروع حياة دون بوسكو، ومسيرة قداسة، وتعبيرا عن عهده مع الله وتمثّله بالمسيح. فمن خلال الشباب دخل الله في حياته، بل في صُلب حياته، وعطش يسوع إلى خلاص البشر الذي عبّر عنه بشعاره أصبح خياره الحاسم والشامل.

          ولمحبة دون بوسكو الراعوية وجه آخر، وهو وجهه التربوي. فالمحبّة التربوية عـبّر عـنها من خلال حب ملموس، يطال كل ولد، ويستهدف خلاصه الشامل، أي مصيره الزمني والأبدي، بإشراكه شخصيا في مسيرته التوبوية، والوسائل مختلفة: لأحد يقدم الخبز، لآخر الكفاءة المهنية والثقافية، وللجميع طريقا ينفتح على الحقيقة، ويوجّههم ويشجّعهم جميعا على بناء حرّية مسؤولةويوصلهم إلى لقاء يسوع الممجّد.

          أمّا الوسيلة التربوية التي استعملها ليقدّم خدمة التبشير والتربية على الإيمان وتنمية الدعوات وتأليف جماعة مسيحية وللقيام بخدمات اجتماعية مختلفة فسمّاها الأسلوب الوقائي وعاشها كخبرة روحية وتربوية وراعوية في آن واحد. ما يهمّنا الآن بالدرجة الأولى هو الناحية الروحية، المعبّر عنها بالكلمة "الدين" من الثلاثية المعروفة: "العقل والدين والمودّة". كان دون بوسكو، بناءً على خبرته الروحية،  يؤمن إيمانا ثابتا بقوّة الإنجيل المحوّلة وبأهمّية اللقاء بالرب يسوع، وحاول ترجمة هذه القـناعات في أسلوب تربوي يدعو باستمرار إلى الضمير، إلى الخلاص، إلى جمال الإيمان، ويتمركز منهجيّا في "المودّة"، وهي ذروة الأسلوب الوقائي، لأنّها تتأسّس وتستقي من المحبّة التي أظهرها الله للإنسان. فحبّ دون بوسكو للشباب هو حبّ الله، ليس فقط بكمال البذل والعطاء، بل أيضا بإظهار الحرارة الإنسانية التي أظهرها يسوع المسيح في التجسّد: "دعوا الأطفال يأتون إليّ" (لو 18: 16) وكان يضع يدَيه عليهم (متى 19: 15). حبّ دون بوسكو للشبيبة محبّة فائقة للطبيعة، ولكن محبّة ملموسة، أو، إذا صحّ القول، محبّة متجسّدة، تنزل إلى مستوى الولد، بخاصة الولد الأكثر حاجة، وتجعله يشعر بالألفة والحنان، مما يولّد الثقة، وهي أساس العلاقة التربوية. وعلى مثال الله، كان دون بوسكو طويل الأناة، بالمعنى الوارد في الكتاب المقدّس، أي الأناة الإلهية كما جسّدها يسوع في شخصه. وهذه الأناة ليست الصبر بمفهومنا الحالي، أي التحمّل، بل بمعنى الانتظار والتمهّل والترقّب الواثق (انتظار الله للخاطئ، انتظاره للابن الضالّ...)، تعبيرا عن الحبّ والإرادة الخلاصية. ودون بوسكو استلهم أناة الله وأناة يسوع باعتماد موقف إيجابي من الشباب: يحترمهم، يتحاور مع حرّيتهم الذاتية، كاشفا لهم مدى حب الله لهم، أي حبّ يدعو إلى الشركة الإلهية ويفتح آفاق سعادة لا يستطيع العقل البشري أن يتخيّلها... ويبقى في انتظارالجواب.

 

3.    الروحانية السالسية طريق إلى القداسة

 

كما أن دون بوسكو تقدّس من خلال هذه الروحانية في ظروف عصره، كذلك نحن اليوم مدعوّون إلى عـيشها بالنظر إلى التطوّرات الحاصلة في كل ما يتعلّق بالعلوم الإنسانية واللاهوتية والتربوية. لا نتقدّس بتقليد دون بوسكو، بل بتأوينه، أي بإعادة قراءة خبرته الروحية في ضوء الواقع التاريخي والثقافي والمجتمعي الحالي في مختلف الأوساط. فكيف يمكن أن تتحوّل ممارساتنا التربوية والتزامنا الرسولي إلى مسيرة قداسة، أي مسيرة توجّهنا نحو الله؟ في أكثر من مرّة، خصوصا في محاضرات أو رسائل وجّهها إلى المعاونين، شدّد دون بوسكو على الوجه الجديد لروحانيّته. ففي مناسبتين، عام 1880، في أقل من شهر، طرح نفس الفكرة، قٌال: "في الماضي، كان يكفي أن نجتمع سويّا لإقامة ممارسات تقويّة...(أي لقاءات صلاة وما إلى ذلك)، أمّا اليوم، فقد تغيّرت الظروف، وبالتالي، بالإضافة إلى الصلوات الحارّة، ينبغي أن نعمل، وأن نعمل بلا انقطاع، إلاّ إذا أردنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام خراب الجيل الحاضر". رأي دون بوسكو إذن أن العمل، وبخاصة العمل التربوي، هو المكان المميّز لعيش الروحانية السالسية. ولكن السؤاال هو: هل هذا العمل هو أيضا المكان لإقامة علاقة مع الرب؟ وكيف؟ أي بأي طريقة نجد في خدمة الشبيبة الله غـذاءً لحياتنا الروحية؟ وكأن علاقاتنا مع الشبيبة، والوقت المكرّس لهم، وتطوير قدُراتهم وما إلى ذلك، هو المكان الطبيعي الذي يغذّي فيه تلميذ دون بوسكو حياته الروحية.

طبعا نرى في التربية تحقيقا لقول يسوع: "من قبل هذا الطفل إكراما لاسمي، فقد قبلني أنأ" (لو 9: 48)، وبالتالي فالنشاط التربوي المسيحي هو"علامة فاعلة" للقاء بالله، والله حاضر فعلا في هذه الممارسات كما هو حاضر في وقت الصلاة وفي الطقوس الليتورجية والأسرارية، ولو بشكل آخَر. الأمر هو كيف تلميذ دون بوسكو يتقدّم تدريجيّا، من خلال هذه الممارسات، في الاتحاد بالله وفي تكييف حياته مع روحية الإنجيل، وهذا هو تحقيق القداسة، من منطلق الواقع الذاتي.

 

هنالك بعض الأفكار أطرحها تشجيعا لنا جميعا في المُضيّ قدُما نحو التماهي بيسوع على خطى دون بوسكو:

 أ)     الإنسان، وقد خُلق على صورة الله ومثاله، مدعوّ إلى تحقيق الذات في الشركة وفي العطاء، على صورة الثالوث الأقدس. وهذه الصورة تجدّدت في الإنسان وأُعـيدت إلى جمالها الأصلي بفضل يسوع المسيح، الفادي والمخلّص، وتقوم على النعمة التي يُفيضها الله على المؤمنين. ألمربّي يكتشف أنّه مدعو إلى التعاون مع الله لإبراز جمال هذه الصورة، أي جعل الولد يتحقّق كاملا، تحقيقا للقصد الإلهي. هذا هو هدف دون بوسكو الأول. أمّا الطريق فينطلق من القلب ويجب أن يصل إلى القلب (الثقة!) والأسلوب أسلوب المحبة (أي أسلوب الله).

 

 ب)     المربّي معاون الله، فالمربّي المسيحي مؤمن يتعاون مع الله في إبراز جمال الوجه الإلهي الموجود في كل شخص. الله الآب هو رب الحياة، ويسوع المسيح هو الصورة الحقيقية الوحيدة للآب، والروح القدس هو المعلّم الداخلي الذي يصوغـنا على صورة يسوع ويؤهّلنا لأن نحبّ مثله. فالمربّي الذي ينظر إلى رسالته من هذا المنظار يصبح إنسانا روحانيا، لأنّه يعي حضور الله في حياته وعمله، وبالتالي فهو قادر أيضا على اكتشاف عمل الله في قلوب الشباب (راجع دون بوسكو ودومنيك سافيو؛ دون بوسكو وميشال ماغوني... وكيف تكيّف مع كل واحد منهما). ولكن هذا يتضمّن ضرورة الخضوع لله، أي اختبار حضوره الفاعل، لكي تنمو فـينا المحبة الراعوية والتربوية، أي المحبّة السالسية الحقيقية. والنظرة الإيمانية التي يلقيها المربّي بروح دون بوسكو هي نظرة تواجه وتتحدّى كل الظروف والأوضاع: ما من حالات فاشلة، لأن، على حدّ قول دون بوسكو، "في قلب كل شاب، مهما لفّه الشقاء، وتَر يرنّ للخير، فأولى واجبات المربّي أن يكتشف هذا الوتَر الحسّاس ويعزِف عليه". هذا هو الانتباه الذي يطال كل شخص، فردا فردا، كما هو وليس كما نحن نتمنّى أن يكون. فهذا هو نهاية المطاف وليس بداية المشروار.

 

 ج)    أن نكون مع الله ومع الشبيبة في نفس الوقت: هذا هو التحدّي الكبير الذي نواجهه بالنظر إلى دون بوسكو، رجل عمل ورجل روحاني معا: "كان يعيش وكأنّه يرى ما لا يُرى". فنحن، في مدرسته، نتعلّم أن نكون مع الله لنكون مع الشبيبة: لا تقاسم بين الكيان والعمل، بين العمل والتأمّل، بين الصلاة والحياة. على مثال دون بوسكو كياننا وعملنا ودرسنا وتنشيطنا وتخطيطنا وصلاتنا موجّه بلا انقسام لمجد الله وخلاص النفوس. والشرط لتحقيق ذلك تخطّي الذات والتضامن والبذل...، كما فعل يسوع بالتجسّد: لم ينفصل عن الآب واتّحد اتّحادا وثيقا بالبشر. فعيش الرسالة التربوية بهذه الطريقة هو الدلالة على وجود روحانية حقيقية، نابعة من الخضوع لعمل الروح، المعلّم الداخلي. كان دون بوسكو يعرف قلب الإنسان وقلب الله، لذلك تمكّن من إقامة علاقة عـميقة مع تلاميذه ومن حوار عـميق مع الله، عارضا على الشبيبة مشروع حياة تحت الشعار: "مسيحيّون صالحون ومواطنون أمناء".

 

د)في التقليد السالسي لا يعني عـيش المحبة الراعوية الدخول في مسيرة تزيّنها الورود فقط، بل في مسيرة فيها أشواك أيضا (حلم دون بوسكو)، وهذه الأشواك هي التعب والنضال والاستمرارية والمثابرة والأمانة والتقشّف... حتّى لمّا الثمار لا تكون ظاهرة والأفاق تبقى مظلمة. الموقف الناجح في النهاية هو موقف الانتظار الساهر والأمل الحي والفرِح والثقة بالله وبالإنسان، بمرافقة الصلاة التي هي مفتاح يفتح قلب الله وبالتالي قلب الإنسان أيضا. في مثل هذه الأجواء لا مجال للملل والقنوط والرتابة،لأن كل شيء يؤول إلى الخير، وكل شيء عطاء من الله، وكل فرصة تسمح باكتشاف حضوره. ولكن كل هذه المواقف ليست فطرية وطبيعية، بل تحتاج إلى ترويض النفـس بالانفتاح التامّ وغـير المشروط على الله (جواب مريم للملاك في البشارة: "فليكن لي بحسب قولك") والاستعداد السخيّ للخدمة (بعد البشارة قامت مريم ومضت مسرعةً لتخدم أليصابات). من يعيش هذين البعدين في ظروف حياته الخاصة، جامعا بين اتّجاهه نحو الله واتّجاهه نحو الإنسان، يتبع بلا شكّ روحانية دون بوسكو ويسير على درب القداسة.

 

          4)  تطبيقات والتزامات عـملية

           الرئيس العام في الجزء الأخير من عرضه للتوجيه الرسولي يطرح بعض التوجيهات العملية استعدادا للاحتفال بالمئوية الثانية لميلاد دون بوسكو بعد سنتين. يطرحها على فئات العائلة السالسية المختلفة وعلى الأفراد، لكي نتبنّاها ونعمّقها ونتّخذها كالتزامات بحسب ظروفنا الخاصة وإمكانيّاتنا.

 

أ‌)       التوجيه الأوّل أن ننظر بجدّية إلى خبرة دون بوسكو الروحية لنستلهم منها ما يساعدنا على التمثّل به في الواقع الخاصلكل واحد منا، كجماعة وكأفراد. لا نكتفي بأخبار سيرة حياته، ولكن نسعى إلى اكتشاف ملامح دون بوسكو الروحية، لأن هذه الملامح هي إرثتا الحقيقي وأساس وجهنا السالسي كتلاميذه اليوم. لا نستطيع أن نفهم دعوتنا السالسية، العلمانية والرهبانية، إلاّ بالنظر إلى خبرته الروحية التي تكوّنت ونضجت في بيئة كنسية واجتماعية تختلف كثيرا عن بيئتنا الحاضرة، وبالتالي فالمطلوب منّا أن نعيد قراءة خبرته في ضوء مكتسبات الفكر الكنسي والاجتماعي المعاصر، لكي لا نكتفي بالتقليد، ولكن لنكون دون بوسكو اليوم في لبنان، في سوريا، في مصر وفي كل مكان. والأهمّ الاّ نشُكّ أبدا أن الروحانية السالسية مسيرة قداسة حقيقية. يكفي أن ننظر إلى ثمارها التي تزداد سنة بعد سنة في مختلف المجموعات التابعة للعائلة السالسية، ونفرح بنوع خاص بإعلان أحد المعاونين المعاصرين، أتّيليو حيورداني (1913-1972)، مكرّما منذ 9/10/2013.

ب‌)  التوجيه الثاني يدعونا إلى عيش المحبّة الراعوية كتمجيد لله ولخلاص النفوس، كما فعل دون بوسكو: حوّلها إلى صلاة وإلى برنامج حياة في الشعار: "أعطني النفوس وخذ الباقي". فبدون صلاة وممارسة الأسرار المقدّسة،  لا تستطيع أن نتمثّل بمحبّة الراعي الصالح في تربية الأولاد ضمن العائلة أو في الأوراتوريو أو في مدرسة وفي إقامة علاقات ودّية مع الآخربن. وعـمليّا الاّ نستعين بالأسلوب الوقائي كمنهجية تربوية فقط، ولكن كخبرة روحية حقيقية تتجذّر في محبة الله وتتحقّق بالسهر والمرافقة والتضحية في سبيل خلاص الأخرين، وخصوصا الشبيبة، ببذل الذات.

ج) التوجيه الثالث هو أن الروحانية السالسية تعاش وقفا لدعواتمختلفة، وهي صالحة للشبيبة، للعلمانيّين، للعائلات، للمكرّسين، بشرط أن يستقي كل واحدما يناسبه، لأن فيها عناصر مشتركة وعناصر خاصة. القوانين الرهبانية مثلا تركّز على ما بخص الناحية الرهبانية، مثل النذور الثلاثة، بينما مشروع الحياة الرسولية للمعاونين يشدّد على التزام العلمانيين ضمن العائلة وفي المجتمع.نوع الصلاة مثلا تختلف  بالمظاهر إذا كانت فردية أو جماعية، وإذا جرت في جماعة رهباتية أو في العائلة، ولكن الوحي واحد والاهتمامات الرسولية التي نعبّر عنها في الصلاة مشتركة... المهمّ أن نجد تدريجيّا نمط عـيش وصلاة يناسبنا ويغذّينا روحيا.

 

إن شاء الله تشكّل هذه السنة التحضيرية الثالثة والأخيرة للاحتفال بالمئوية الثانية لميلاد دون بوسكو خطوة حاسمة إلى الأمام على الصعيد الشخصي وعلى صعيد جمعيّاتنا وجماعاتنا، في تعلّقنا  بدون بوسكو أكثر فأكثر، خصوصا بأن نكون في مدرسته رجالا ونساء روحانيّين يتوقون إلى القداسة بعطشهم إلى الله وإلى النفوس.

 (إعداد الأب فـيـتّوريو بوتسو السالسي)