الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

مخيم أنت مدعو.. ها أنذا

 

البرنامج و الموضوع العام 

أنت مدعو من الرب …
هأنذا يارب.



المـكـان: دير الآباء السالزيان – كفرون
المشـاركة: للشباب فقط من الصف العاشر وما فوق.


البرنامج

اليوم الأول:
 

الوصول + الفطور
11.00         توزيع الغرف
11.30         اللقاء الأول
12.15         فترة صمت
1.30            الغداء
2.15            استراحة
4.30            عصرونية
5.00            اللقاء الثاني
6.00            فترة صمت
7.30            القداس
8.15            العشاء
9.00            استراحة
9.30            نزهة إلى مشتى الحلو + صلاة المسبحة وكلمة المساء مع إمكانية عرض سلايد.
11.30         النوم
اليوم الثاني:
 

7.30            الأستيقاظ
8.00            صلاة السحر
8.30            الفطور
9.30            اللقاء الثالث
10.15         فترة صمت وتأمل وصلاة
12.00         تبادل خبرات روحية
12.15         القداس
1.30            الغداء
2.30            استراحة مع لعبة سالزيانية
5.30            عصرونية
6.00            اللقاء الرابع
6.45            فترة صمت
8.30            صلاة المساء
9.00            العشاء
10.00         مسير إلى جبل السيدة + صلاة المسبحة
11.30         كلمة المساء
12.00         النوم
اليوم الثالث:
 

7.00            الأستيقاظ
7.30            صلاة السحر
8.00            الفطور
9.00            اللقاء الخامس
9.45            فترة صمت وتأمل وصلاة
11.30         القداس الإلهي
1.00            الغداء
2.30            تقييم مخيم الدعوات
4.00            العودة من كفرون


مستلزمات مخيم الدعوات:
كتب الصلوات (المزامير).
أناجيل.
دفتر وقلم.
ورقة درب الصليب.
دفتر التراتيل.السؤال عن أغراض القداس.
شراشف، وجه مخدة + مناشف.
CD  تراتيل + موسيقى.
شموع صغيرة.
كمبيوتر مع برامج عن الدعوة.
مواضيع.
تحضير ألعاب سالزيانية.
أدوية.
ضيافة.

 

الباب الأول
الحب الإلهي



الحب الإلهي يجعلك خلقاً جديداً

1- اكتشاف الحب:
الاكتشافات العلمية ليست بشيء أمام اكتشاف الحب, فحب الأم لوليدها عظيم, ولكن أروع الاكتشافات هي أن الله حبة وتفيض محبته في المخلوقات بغزارة. لقد أظهر الله حبه لك فأرسل ابنه الوحيد الذي من دافع الحب تجسد ومات فداء عنك وبدوره أرسل لك روحه القدوس ليجعلك مخلوقاً جديداً.
هل أنت اكتشفت هذا الحب, وتعيش منه؟

2- صفات الحب الإلهي:
أراد الله في محبته التي لا توصف أن يفتح حوار الحب مع الإنسان عن طريق المخلوقات, وعن طريق واضح كل الوضوح, وهو الوحي الإلهي ( الكتب المقدسة ).
 حوار الحبيب الذي يطلب جواباً لحبه.
يحب الله الإنسان كما يحب الأب ابنه ( 1 يو3 :1 ).
الله يحب حباً غيوراً ( اقرأ هوشع النبي _ الفصل الثاني ).
الله يحب حب الصديق المخلص (يو15: 12-16)
الله يحب حب الإهتمام والعناية (مت 7: 9_11 ).
الله يحب حب اللطف والعطف والإعجاب (1ش 43 _ 4 , مت 18: 12 ).
الله يحب التضحية وموت الصليب ( في 2: 6_ 9 ).

3- الله بحبه يغريك لتحبه أنت أيضاً:
          هل اقتنعت يا عزيزي أن الله يحبك حباً أبدياً لا حد له؟
          تعال فندخل معاً في عمق هذا السر ونتأمل:
وهبك الله الحرية: أعظم هباته التي تدل على لطفه و آناته ومحبته لك.
وهبك الأشياء: لقد وضع الخالق العظيم كل ما في الكون من العظمة والجمال في خدمتك ولسعادتك.
وهبك ذاته: أرسل إبنه الحبيب وروحه القدوس لتصبح إبناً حبيباً له ووارثاً لملكوت الله.
توقف وفكر معي: ما الهدف من كل هذا الحب؟
الهدف هو: يريد الله أن يكون خلاصك وسعادتك على شرط ان تقبله. إذا قبلت حب الله اقام بينك وبينه الميثاق المقدس (أي صداقة الحوار). من قبل حب الله في حياته دخل الكنيسة – منظورة أو غير منظورة- وشارك الشعب المؤمن في مسيرته نحو ملكوت الله.

4- من هو المسيحي إذن؟
المسيحي هو إنسان قبل حوار الحب مع الله خالقه ومخلصه, فجاوب على هذا الحب بحبه المتبادل.
المسيحي اختار الله اختياراً كلياً غير مشروطاً.
لكن كما تعلم, جوهر الحياة المسيحية ليست فقط في قبول حب الله, بل في إنعكاس هذا الحب على البشرية (مت 22: 39 ).
لقد أصبح ابن الله بتجسده الطاهر بشراً, فأصبحت البشرية جزءاً من جسد السيد المسيح (اقرأ رسالة بولس إلى أهل كورنثوس)
الإنجيل المقدس ورسائل الرسل الأطهار هدفهما واحد, وهو الاقتناع أن من يحب الله لا بد له أن يحب أخاه (يو 13: 23 , يو 4: 20).
عليك أن تحب كما أحبك الآب. (مت 5: 34).
عليك أن تحب الجميع _ بما فيهم العدو _ دون مقابل. (مت 5: 46).
كما أحبنا المسيح (يو 13: 34)
عليك أن تحب.. والأفضلية للمساكين. (مت 9: 12). حتى الموت (1 يو 3: 16).



الباب الثاني
محبة الله جوهر الحياة الرهبانية

 


لو أردت أن تكون كاملاً... اترك الإنسان
القديم وألبس الإنسان الجديد

1- الحب فقط يفسر مغامرة الحياة المكرسة:
من المحقق في علم اللاهوت أن الكنيسة هي اتحاد: اتحاد الذين يحبون الله في المسيح, ويحبون بعضهم بعضاً.
          إذا المحبة جوهر الحياة المسيحية, فكم بالأحرى الحياة الرهبانية..؟
          من ينذر النذور أصبح راهباً بموجب قانون الكنيسة, لكن المحبة فقط تجعله إنساناً مكرساً, أي راهباً
معنى روحي. وذلك لأن جوهر الحياة الرهبانية هو الاتحاد العميق الصادق من الحب المتبادل بين الله والراهب, حب عظيم يعبر عنه الراهب علانية باعتناقه العفة والفقر والطاعة.
ما هي النذور إذن؟
النذور هي علامات ضرورية وشبه حسية لهذا الحب, علامات اعترفت بها الكنيسة منذ القرون الأولى.
بدون النذور وممارستها من دافع الحب لا تعترف الكنيسة مطلقاً بالحياة الرهبانية.

2- ما هو الفرق بين الراهب والعلماني:
          كل مسيحي مكرس لله لأنه قبل حوار الحب مع خالقه. فإذا قبل أي إنسان الحب الإلهي وعزم على أن يجاوب على هذا الحب فارتبط ارتباطاً خاصاً بعلامات واقعية (النذور) أمام الكنيسة أصبح راهباً لأن حياة التكريس في الدير ليست إلا الحياة المسيحية ذاتها التي نلناها في المعمودية والميرون المقدس والمعاشة على أعلى مستوى بطريقة خاصة.

3- هدف المكرس ملكوت الله:
يتخلى الإنسان المؤمن عن أمور كثيرة في الحياة, لكنه لا يقدر أن يتخلى عن الله.
 ملكوت الله هي الشيء الوحيد التي لا محال منها: هي مسألة حياة أو موت لأن الله وحده هو المطلق والإنسان متعلق به – التابع له من طبيعة الخلق والخلاص – الإنسان بدون الله كشعاع الشمس بدون الشمس: هل له معنى؟
طبعاً لكلام يسوع, هناك أشخاص فهموا بنعمته تعالى ضرورة ملكوت الله القصوى, فكرسوا وجودهم له باختيارات جذرية (النذور):
 هؤلاء هم الرهبان.
لقد تنازل الراهب عن كل شيء من أجل الملكوت: تنازل عن الخيرات المادية ( نذر الفقر) وعن حقه في الزواج (نذر البتولية)
حتى عن حريته (نذر الطاعة).
من المفروض أن يفهم المسيحي ضرورة ملكوت الله القصوى.. لكن الراهب يفهمها بطريقة خاصة, بفضل نور من الرب ونعمته الفائقة فيضحى بكل شيء ليكرس ذاته للحب الإلهي.
وعلى المدعو أن يختار ملكوت الله علناً لكي يدعى راهباً. حياة الزواج أمر رائع.. لكن ربما يكون عائقاً..
الخيرات المادية هبة من الخالق الكريم.. لكن للأسف أحياناً تستر وجه الخالق.
الحرية كبرى عطايا الله.. لكننا نعرف من كثرة الاختبارات اليومية أن الإنسان معرض لسوء استعمالها.
فالمسيحي الذي اقتنع أن ملكوت الله هو الأمر الوحيد الذي يستحق أن يضحي من أجله بكل شيء وقد كرس كل ما هو له لمن وهبه كل شيء.. أصبح راهباً. 
4- بعض صفات الحب المكرس:
الحب المقدس له مقياس الجنس:
حب الراهب لمخلصه كحب الحبيب لحبيبته.(أش 62: 5).
المسيح هو العريس الذي يحب الكنيسة كجسده الطاهر.. (أفس5: 28-33 ).
سوف يتحقق في الملكوت السماوي الإتحاد بين المسيح وكنيسته المجيدة ( رؤ 21: 2).
من الواضح عند علماء اللاهوت أن ما يقال عن الكنيسة يقال أيضاً عن المسيحي وبالأخص عن المكرس كلياً لحبيبه يسوع.
لكن علينا أن نطرح سؤالاً:
ما هو الجنس؟
الجنس حسب علم النفس, هو الميل الشديد نحو شخص آخر والشعور بالضرورة إلى العلاقة العميقة به عن طريق العطاء والأخذ.
ربما يضحي الإنسان في حياته على الأرض بأمور عديدة.. لكن مستحيل أن يضحي بعلاقته مع غيره.
إن العامل الجنسي هو مقياس لابد منه لحفظ توازن الإنسان وإلا كان الإنسان عصبياً، ناقصاً، مزلولاً، مكتئباً.
لقد خلق الله في حكمته الإنسان وله ميول قوية لغيره, وبموجب هذه الميول يريد الإنسان أن يتلذذ ويشبع بحب الآخرين, وهذا الأمر من روائع عمل الخالق..
وهل هناك تلذذ أعظم من أن يحب المخلوق خالقه ويحب منه؟
أفاض الخالق الحكيم على المخلوقات نوره وسعادته وجماله, لكن النور الحقيقي والسعادة الكاملة والجمال الجلاب يبقى دائماً في الخالق, وإذا افترضنا أن الإنسان يستطيع أن يضحي بالحوار مع الإنسان.. فمن المحال أن يضحي بالحوار مع خالقه.. يثبت ذلك تاريخ الشعوب وتاريخ الديانات وعلم النفس والفلسفة.
أنت تسأل: هل الحوار مع الله يحل محل الحوار مع الجنس الآخر؟
نعم, كما أن الكامل يحل محل الناقص والأعظم يحل محل الأدنى.
إن في تكريس الإنسان لخالقه نجد كل صفات الحب بين العريس  والعروس, فالحب المكرس يشعل الحب الجنسي ويطهره ويرفعه.
الحب المكرس هو حب مباشر, به يصبح الإله القدير البعيد قريباً وحميماً.
من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس نفهم أن الزواج المسيحي يرمز إلى سر الإتحاد القائم بين المسيح والكنيسة, فالزواج المسيحي يكمل الارتباط المقدس بين الكنيسة ومخلصها.
ففي الزواج يصل الإنسان إلى الله عن طريق الإنسان, بينما يختار الراهب (أو الراهبة) الله مباشرة, دون وسيط, أي يتعدى على الوسيلة فيذهب مباشرة إلى الهدف, عن طريق وسائل شبه حسية,وهي النذور.
إن سر الزواج مقدس وعظيم, وسر التكريس في الرهبنة مقدس وعظيم, لكنه أرقى من الوسائل الحسية لأن به يتجاوب الإنسان مباشرة مع الله ويدخل في حوار شخصي مع خالقه.
فعندما يدعو الله إنساناً فإنه يزيح الحاجز الذي بينه وبين هذا الإنسان _ سر عظيم في الحقيقة _ سر اختيار من الله, وحرية الإجابة من المدعو.

حب خاص قاطع لا يفسد:
التفسير والتبرير الوحيد لمغامرة حياة التكريس هو(بعد اختيار الله طبعاً)البحث عن الله وحده وإرضاءه والإتحاد معه والعمل من أجله.
الحب المكرس غير قابل للحل كحب الزوجين, هذا هو السبب الذي من أجله يتنازل الراهب عن الزواج, لأن الارتباط الحميم بالمخلص الحبيب ينفي الارتباط بشخص معين.
حب الراهب لخالقه حب خاص وقاطع لدرجة أنه يحرم الارتباط بأي مخلوق كما يحدث في الزواج.
لم يطلب الله هذه التضحية من الجميع, بل من البعض فقط وهؤلاء قليلون جداً.
بينما أغلب المسيحيين يصل إلى القداسة في حالة الزواج ( فكل واحد في الحالة التي دعي إليها من الرب)الراهب يصل إلى القداسة في حياة التكريس.

حب لله وللأخوة على مستوى فائق الطبيعة:
بالنذور ينظر الراهب إلى العالم نظرة الله: يطيع, يعيش بتولاً, يزهد أمور العالم على نور الإيمان.
تشير الحياة المكرسة إلى الحياة الأبدية التي سوف يعيشها الجميع في ملكوت السماوات, من أجل هذا يسمى هذا الحب بحب الأيام الأخيرة.
الراهب الذي كرس كل شيء لله تعالى يعيش كالملائكة في تمجيده وتسبيحه باستمرار. ولا ينسى المكرس إن الله يطلب منه أن يعتزل عن العالم, لا من أجل احتقاره للعالم بل ليخدم العالم بكل طاقته كما عمل المسيح الذي لم يتخل عن العالم بل ضحى بنفسه وأنقذ البشرية بحياته.
الحب المكرس هو حب فصحي أي له طريق واحد: هو طريق الصليب ويصل إلى فرح القيامة المجيدة.
ولكن كيف يتأكد الراهب أن حبه سليم وليس خيالياً؟
حبه يقاس من استعداده للتضحية. هل لديه عزيمة قوية ليضحي من أجل الحبيب؟
"ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضحي بذاته من أجل أحبائه".( يو 15: 12).

5- حب البشر أجمعين جوهر الحياة الرهبانية:
فكر: بينما الكهنوت يشير إلى سر الخلاص _ إلى محبة الله للإنسان _ ( حب تنازلي ) _ يشير تكريس الرهبان إلى سر القيامة والصعود أي الجواب لمحبة الله ( حب تصاعدي ).
ومهما يكن الأمر. على الراهب أن يقدم ليلاً ونهاراً صلواته لله تعالى من أجل جميع البشر ليس هذا فقط بل عليه أن يرى الله في الأخوة أجمعين, مسيحيين أو غير مسيحيين.
إليك بعض النصوص من الكتاب المقدس:
البشرية جسد المسيح. (1 كور 12).
من يحب الله عليه أن يحب أخاه .(1 يو 5: 1 ).
كذب وغش من يفرق بين محبة الله ومحبة الأخوة. ( 1 يو 4: 20 ).
 على الراهب أن يحب الجميع حباً فائقاً لأنهم أبناء الله.
لقد تحرر الراهب من حب محدود ليكرس ذاته للحب الغير محدود. على الراهب أن يحب بلطف وحنان وأن يفهم ظروف أخوته البشر الذين يعيشون في محنة شديدة. ( رؤ 2 ).
على الراهب أن يحب حباً مثمراً : هناك أبوة جسدية وأبوة روحية, فالراهب أب روحي وعليه أن يفيض من الخير.. والسعادة والطمأنينة على كل من يلتقي به.
على الراهب أن يحب حب الصداقة: حب صافي دون مصلحة

اعترافات راهب:

نعم يا رب أنا أيضاً لي وجه ينتظر قبلة من وجه صديق..
أنا أيضاً لي عينان تتعجبان أمام جمال الجسد.
لي ذراعان ترغبا في أن تحتضن بحنان..
لي قلب راق يشتاق إلى الحب.
لكن أنت يا رب جذبتني وأغريتني فأنا اخترتك أنت وحدك.

 

الباب الثالث
الراهب هو خادم من أعلى درجة
أب لمن ليس له من يتحنن عليه أخ لمن ليس له صديق

 

1- الخدمة في الكتاب المقدس:
الكنيسة هي اتحاد كل المؤمنين بالله عن طريق المسيح كذلك الحياة الرهبانية هي اندفاع الحب نحو الله والأخوة والعمل على الإتحاد بهما. كل عضو من أعضاء الكنيسة, له رسالة خاصة (1 كور 12 ).
بموجب المعمودية, أي بموجب دخوله في جسد المسيح. فما هي رسالة الراهب في الكنيسة؟
رسالته هي الخدمة بنوع خاص. كان الشعب المختار ينتظر المخلص فوصف كعبد لله تعالى
(كلمة"عبد" تدل على من يخضع وينفذ الأمر ), وعندما جاء المسيح قال: " أنا بينكم كالخادم", ( لو 22: 27 ).
لم يأتي ابن الإنسان ليخدم بل ليخدم. (مر 10: 45 ).
غسل أرجل الرسل.. ( يو 13).
هو الراعي الصالح. (يو 10: 11 ).
من يريد أن يكون الأول.. ( مر 10: 42 ).
كلنا مدعوون أن نخدم المسيح والأخوة. ( 1 كور 7: 22 ).
من يريد أن يتبع المسيح عن قرب ليعمل ما عمل هو. (قو 3: 24 ).

2- خدمة الشهادة:
وصف الكتاب المقدس الشاهد بالصفات الآتية:
اختبر الله: فرأى بعيونه ولمس بيديه. (1 يو 1:1 ).
اختباره مع الله غير مجرى حياته بأكملها. ( الرسل: تركوا كل شيء وتبعوه ).
شعر بالضرورة القصوى أن يبلغ اختياره.. (أع 14: 20 ).
يستطيع بقوة من السماء, أن يقنع الآخرين ويغيرهم. ( أع 2: 37-41 ).
إن العالم في أشد الاحتياج من الشهود, وهذه هي خدمة الراهب.
فالراهب ما هو إلا إنسان اختبر حب الله ويشهد له بقوة أمام الأخوة.
نعم: يحتاج الإنسان إلى التعاطف والسلام والفرح والسعادة,
فليرى الناس من شهادة الراهب أن كل هذه الأمور تزاد لهم إذا جاوبوا لحب الله.
قالوا إن المسيح العلماني هو علامة المسيح المغروسة في العالم, والراهب هو علامة المسيح المرفوعة فوق العالم..
لذلك على الراهب أن يكون:
علامة محبة المسيح: يزرع الحب أينما البغض.
علامة قوة الله: يزرع الثقة أينما الظلم.
علامة سعادة الله: يزرع الفرح أينما الحزن.
أفاض الله في عظيم رحمته على العالم علامات حبه حية والتي قد تكون حسية, ولكن هناك بشر لم يفهموا ولم يروا,
فعلى الراهب أن يشهد بقوة أن الله هو الآب الذي يهتم بأبنائه.
ينقل الراهب محبة الله للإنسان المحروم والمجروح حتى يمتلئ من هذا الحب. إن الراهب الذي لا يريد أن يخون الله وجوهر دعوته, عليه أن يشهد بما صنع الله له في حياته ويشير إلى ما سوف يصنع به, إذا تواضع ووثق بالله. وأمنا مريم هي المثل الأعلى في ذلك:
اقرأ تسبحة مريم ( لو : الفصل الثاني ) " لأن القدير أتاني فضلاً عظيماً".

3- خدمة التبشير:
ما هو التبشير:  هو
(متى28: 19 ) إعلان إلى العالم عن بشرى الخلاص.
( أعمال 1: 8 ) شهادة " تكونون لي شهوداً حتى أقاصي الأرض".
( أعمال 4: 20 ) إعلان وشهادة " أما نحن فلا نطيق أن نسكت عن ذكر ما رأينا وما سمعنا"وعلى الراهب أن شهد ويعلن: هذه هي خدمته، أن يشهد الراهب ويتكلم كما تكلم المسيح, يحب بقلب المسيح ويعمل كما عمل هو, ولا ينسى الراهب أن" فاقد الشيء لا يعطيه", وإنه لا يعطي إلا إذا امتلأ هو أولا من الروح القدس. لقد قال المسيح: " تنزل عليكم القوة من العلى" ( لو 24: 48 ).
إن قوة التبشير لدى الراهب تدل على:مدى قداسته, وعلى حقيقة شهادته ( يتكلم بما اختبر ورأى ), وعلى تقواه, وعلى روح التضحية وأخيراً على الراهب أن يجاهد ليكسب الثقافة الكافية ليفتح قلبه للحوار, ويتكيف (في الحدود المعقولة وعلى نور حياة يسوع) بالأشخاص.

4- خدمة النبوة:
من هو النبي؟ هو شخص متواضع يدعوه الله ليتكلم نيابة عنه. والنبي لا بد له من أن يعلن وبقوة عن مستقبل الأمور, بالأخص عن مستقبل ملكوت السماوات.
إليك بعض الخصائص التي تدل على أن الراهب ما هو إلا نبي:
اختيار الراهب الله (لأن الله اختاره أولاً ), عليه إذن أن ينكر ذاته ليتعلق بالله وحده.
باختياراته الحازمة عليه أن يكون إنجيلاً حياً.
بحياته الإنجيلية هو مثل شوكة في جسم العالم, يعارض الإلحاد والاعتماد على الوسائل المادية والعيش في البغض و اللامبالاة وعبادة المال والجنس والتحرر (الفجور ).
إن الراهب نبي لأنه يعلن ما سوف يكون عليه العالم حسب تخطيط الخالق.
وبحياته يشير إلى حقائق الدهر الآتي.

5- خدمة التنمية التبشيرية:
الإنجيل هدفه أن يخلق إنساناً جديداً وكاملاً لكي يحقق ذاته, وكل هذا يتطلب تحرير الإنسان من قيوده الخارجية
( مثلاً الجوع, الظلم,..), ومن قيوده الداخلية التي يقع فيها جراء ضعفه ومن عدم السيطرة على غريزته.
والراهب يساعد الإنسان في تحريره من قيوده الخارجية, ولكي تقتنع انظر بوضوح إلى القديسين الذين أسسوا الرهبانيات
لترى ما بذلوه من جهد في سبيل تنمية الإنسان.
ازدهرت براري مصر بواسطة سكانها الرهبان, وحفظ الإيمان في الكنيسة الشرقية.
في الكنيسة الغربية أيضاً تجد:
القديس فرنسيس الأسيزي. (1181 – 1226م ).
القديس أغناطيوس دي لويولا ( 1491 – 1556م ).
القديس منصور دي بول ( 1585 – 1660م ).
القديس دون بوسكو (1815 -1888 م).
الأم تريزا دي كالكوتا.
اقرأ قصة حياتهم وسوف تفهم وتقتنع بقيمة حياة الرهبان في الكنيسة وفي العالم:

القديس فرنسيس الأسيزي:
ولد في أسيزي سنة 1181م, وعاش حياته الشبابية في الفرح والرقص والثراء. ونقرأ في سيرة حياته إن في يوم من الأيام ذهب للحرب ووقع مريضاً وبعد أن رجع فكر في حياته وحلم حلماً أن الرب يدعوه ليسند الكنيسة التي كانت تمر بفترات صعبة في ذلك الوقت. ترك أباه وميراثه والغنى وانعزل بمفرده إلى الجبل مع بعض أصدقائه...
ووصلت بساطة هذا القديس إلى أنه كان يكلم العصافير والشمس والقمر والماء, فوصل إلى بساطة آدم قبل الخطيئة.
كتب قانون الرهبنة وذهب إلى بابا روما. وفي آخر أيامه أعطاه الله نعمة جروحات السيد المسيح في جسده, وظهر السيد المسيح له في مغارة الميلاد قبل موته توفى سنة1226م.                  أسس رهبنة الآباء الفرنسيسكان.
 
القديس أغناطيوس دي لويولا:
ولد في أسبانيا سنة 1491م, عاش حياته في القصور حيث كان مسؤولاً كبيراً في الجيش. ولكن في سنة 1521م وقع مريضاً وبعد أن تم شفاءه ترك كل شيء ليتبع المسيح وأصبح فارساً له. تعمق في دراسات الكتب المقدسة ليخدم الشعب المسيحي وجمع حوله الأصدقاء الذين رغبوا الحياة الروحية بعد ما قرأوا كتابه العظيم " الرياضة الروحية".
ومع النذور الرئيسية للحياة الرهبانية وهي الفقر والطاعة والبتولية أضاف نذراً رابعاً ألا وهو الطاعة للحبر الأعظم ( بابا روما )
وتجديد الحياة الروحية في الكنيسة.
والقديس اغناطيوس دي لويولا هو مؤسس رهبنة الآباء اليسوعيين (الجزويت) الذين هم عمود الكنيسة والمدافعون عن عقيدة وفلسفة العلم في الكنيسة.         توفي في روما سنة 1556م.

القديس منصور دي بول:
ولد في فرنسا سنة 1585م من عائلة فقيرة تعمل في فلاحة الأرض, أكمل دراساته وسيم كاهناً سنة 1600م وخدم بين العائلات الغنية والأمراء, وفكر في خدمة الفقراء ولذلك قام بتأسيس عدة جمعيات أشهرها جمعية المحبة التي تعمل من أجل خدمة الفقراء والمساكين وما لبثت أن انتشرت هذه الجمعية سريعاً في فرنسا.
حاول القديس منصور أن يصل إلى المسيحيين الذين استعبدوا في بلاد شمال أفريقيا الذين وقعوا عبيداً في أيدي أعداء المسيحية في ذلك الوقت وبينما هو يسعى لإنقاذهم تم أسره لمدة عامين.
أسس رهبانية سماها رهبانية الآباء اللعازرين.

القديس يوحنا بوسكو:
ولد سنة 1815م, وعاش في الحرمان ولمس ما يحتاج إليه الأطفال المشردون. كان رسولاً منذ نعومة أظفاره فكان يجمع الناس ويقيم لهم ما يدخل السرور في قلوبهم من حفلات وأعمال بهلوانية ولم يطلب من الأجرة سوى تلاوة المسبحة للعذراء مريم وبعدها يردد لهم العظة التي سمعها في الكنيسة عند الصباح فحفظها وأعادها عليهم.
سيم كاهناً سنة 1841م وأنشأ مع بعض الكهنة من معاونيه رهبانية سماها الرهبانية السالسية باسم القديس فرنسيس دي سالس أسقف جنيف. ثم أنشأ القديس يوحنا بوسكو المعاهد الصناعية. فعلم فيها الأحداث مختلف الصناعات والحرف ولا سيما الحديثة منها كالطباعة وغيرها.      توفي سنة 1888م.

الأم تريزا من كالكوتا:
ولدت في يوغوسلافيا في أوائل القرن العشرين, ودخلت الدير فأرسلوها إلى الهند, وكانت هناك مديرة لمدرسة بنات من الطبقة العليا (طبقة الشرفاء) وفي يوم ما, وبإلهام من الله وبإذن بابا روما تركت الدير ونزلت إلى شوارع كالكوتا لتخدم المرضى والفقراء والمتروكين بغض النظر عن دينهم أو جنسهم ونوعهم.
ومع مرور الزمن جئن إليها ببعض بنات الشرفاء بعد أن تركن عائلاتهن وطلبن أن يخدمن معها, وظهرت رهبنة جديدة تحت رعايتها.
وبدأ انتشارهن في الهند والصين وأفريقيا بخاصة بلاد العرب (اليمن _ الأردن _ مصر _ الإسكندرية).
وهي ما زالت حية إلى الآن.
في الحقيقة أن التنمية الاقتصادية وما يشابها هي من واجب الدول. ولكن أين الدول ومساعدة الفقير وإسعاف المريض ومد يد المساعدة للمظلوم والاهتمام بالمنبوذ وتعليم الجميع..
ففي كل هذه الأمور سبق الرهبان الدول, ونتمنى في القريب العاجل أن تصل الدول إلى تحرير الإنسان من قيوده الخارجية (لأحلام شيوعية لا نؤمن بها) وأن ينسحب الراهب. ويكتفي بخدماته الروحية المحضة, ولا تنسى قول السيد المسيح:
" أما الفقراء فهم عندكم دائماً أبداً".( مرقس14: 7).
مهما كانت الأحوال فخدمة الراهب الخاصة هي خدمة روحية أي أن يحرر الإنسان من قيوده الداخلية.


الباب الرابع
الراهب هو الشاهد الأمين
بالنذور الثلاثة
أنتم نور العالم


الفصل الأول
فكرة عامة عن النذور
على الراهب أن يكون في حقل الكنيسة " علامة قوية",علامة منيرة ومنظورة, علامة مرفوعة فوق العالم.
إن التضحية من أجل التضحية ليست لها معنى, فهي  أمر سلبي ويعني إعدام الشخصية, وهي ضد كرامة الإنسان, وأمر لم يقره الله ولا الكنيسة. إن النذور ليست هدفاً لنفسها, بل كما أشرنا, هي:
- من أجل ملكوت الله.
- من أجل المحبة الفائقة لله وللأخوة.
- من أجل التنمية الروحية الذاتية.
وجوهر الحياة الرهبانية ( كما وضحنا من قبل ) هو المحبة لله تعالى, فالنذور ما هي إلا علامات حسية وضرورية لهذه المحبة لأن كل حب له ظواهر خاصة.
من المعروف أن كل مسيحي مدعو إلى القداسة, فعلى كل مسيحي أن يعمل بروح التطويبات الإنجيلية حسب ظروف حياته ( في الواقع قداسة المتزوج تختلف عن قداسة الراهب في ظواهرها ).
والراهب يختار التطويبات الإنجيلية كطريقة خاصة له ليصل إلى الملكوت.
يتنازل الراهب بنذر الفقر عن حقه في أن يملك الخيرات المادية ويستعملها كما يشاء, بل حسب المشورات الإنجيلية, وفي الناحية العملية حسب إرشادات دستور الرهبنة.
يتنازل الراهب بنذر البتولية عن حقه في أن يفتح حواراً خاصاً بالجنس الآخر, لكي يفتح حواراً مباشراً ومثمرا ًمع الله, وهذا أيضاً ليفتح حواراً حراً مع الجميع.
يتنازل الراهب بنذر الطاعة عن حقه في استعمال حريته وعن تخطيط حياته كما يشاء، لكي يخططها الله المتكلم في الرؤساء، وهذا ليصبح حراً  ويضع نفسه في خدمة الجميع.
يتنازل الراهب بالنذور الثلاثة عن الملذات المحدودة والمشروعة, وعن التصرف في حريته. وذلك لأنه كرس ذاته وكل ما هو غال وثمين لخدمة الله والأخوة أجمعين.


الفصل الثاني
الراهب هو الشاهد الأمين ببتوليته

1- البتولية والعفة:
كما تعلم أن هناك فرق بين البتولية والعفة: العفة هي الامتناع عن الأعمال التي تخالف الطهارة, بينما هي ترك الزواج من أجل ملكوت الله. وعلى المؤمن بالله ( علمانياً كان أو راهباً) أن يكون عفيفاً, وعلى المتزوج أيضاً أن يكون عفيفاً بمعنى أن لا يقترب من عمل يخالف سر الزواج المقدس.
يطلب الخالق الحكيم من كل إنسان أن يكون عفيفاً حسب دعوته الخاصة وذلك:
- لاحترام هدف الجنس المباشر وهو الإنجاب أي تكملة الخليقة.
- لاحترام هدف الجنس الحواري, هدف وضعه الخالق.
- لاحترام التنمية الروحية التي عليها أن تتمشى بالتنمية الاقتصادية.
- لاحترام كرامة الإخوة: م يخالف العفة يهين الخالق ويهين أيضاً المخلوق.
إن التمتع بالجنس ليس حراماً بل حلالا, لكن كل شيء في زمانه ومكانه.

2- البتولية من أجل الملكوت تعبر عن قوة الإيمان:
العفة المكرسة, أي البتولية, هي حالة من اختاره الله, ليكون الله الوحيد في الحياة, ومن طبيعة الحال انقطع عن الزواج. ونفهم من الكتاب المقدس أن البتولية هبة خاصة من الله لبعض الناس ( متى 19: 12).
البتولية إذن من جهة الإنسان, هبة خاصة من الإنسان إلى خالقه ( مما هو له ).
 وليس للبتولية تفسير منطقي, فقد يقول العقل:
- الغريزة الجنسية أقوى مما تقاوم.
- الحب البشري ربح عظيم فحرام أن نضيعه.
- وجود اثنان في الحياة أفضل من واحد بمفرده.
- تكامل الشخصية بالجنس الآخر خير من العزوبية
- تاريخ الديانات ضد البتولية ( وليس كل الديانات) .
كل هذه الآراء سليمة ومنطقية على مستوى العقل, ولكن في الواقع غير صحيحة على مستوى الإيمان ,فالبتولية معطى من معطيات الإنجيل لأن المسيح قد أعلن البتولية" من استطاع أن يفهم فليفهم" ( متى 19: 12 ) نظراً لضرورة ملكوت الله القصوى.
وأخيراً ما هو هدف البتولية؟ ماذا يكسب الراهب في تكريس عفته لله؟
- يدخل إلى علاقة الحب الخاصة بحبيبه يسوع, ملك القلوب.
- يتخطى طريق الملكوت بسهولة وسرعة.
- يقدم كل إمكانياته لخدمة الله والأخوة.
- يعيش على الأرض حقيقة سوف يعيشها في السماء " لايتزوج الرجال ولا تتزوج النساء، بل كالملائكة في السماوات." (مر12: 25)

3- البتولية حب لا يوصف ورجاء لا يتزعزع:
من فهم عذوبة الحب الإلهي دخل بفرح إلى مغامرة الحب المكرس فاختار البتولية ليعبر عن هذا الحب.
لقد اختارنا الله بحبه ليصف لنا الطريقة العظمى لخلاصنا. فيختار الراهب الطريقة العظمى ليجاوب على هذا الحب.
وكما أن المخلص وهب ذاته لي فأنا أيضاً أهب له كل ما لي.
نعم إن التنازل عن الحوار الجنسي هو كبت. لكن إذا استولى الحب الإلهي على شخص, ذلك التنازل أصبح مكسباً.
(مع الملاحظة أن نظرة الإيمان ونوره غير نظرة المنطق)
البتولية رجاء, لأن الراهب ينظر على ما وراء الأمور المادية. ويرى الراهب الجمال البشري ويحترمه, لكن يسعى إلى الجمال الذي لا حد له.يتنازل الراهب عن حب شخص معين لأنه يشتاق إلى الحب الأبدي.
ويتخلى عن شخص يقف بجانبه في مشاكله الشخصية, لأنه يثق أن رب القوات أقرب له مما هو لنفسه.

4-البتولية حرية:
الحرية هي العنصر الجوهري في البتولية, ودونها تنحل.كذلك الزواج هو التقاء شخصين ويتنازل كل واحد منهما عن حريته لصالح الآخر. لقي الراهب الرب, وتنازل عن بعض حقوقه بحريته التامة ليقدم ذاته ذبيحة لمخلصه ويقدم جسده أيضاً لخدمة الملكوت.
في عصرنا هذا, نجد العالم مغروساً في المادة واللذة والجنس, أما الراهب فلم يحتقر كل هذه الخيرات, لكن يصرخ بنذر العفة أمام العالم إن الروح هي العلى وهي الكنز الوحيد الذي يبقى.

5- البتولية استشهاد
كان الشهيد في القرون الأولى للمسيحية يقدم كل ما لديه باستشهاده للمسيح. أما بعد انتهاء الاضطهادات لم يجد المسيحي الغيور حالة بديل للاستشهاد إلا في البتولية, وعلى حد قول القديس باسيليوس الكبير: "حلت الشهادة البيضاء محل الشهادة الحمراء".

6- البتولية فضيلة الملائكة:
اقتنع البتول أن العالم سيزول سريعاً, وقد اقترب ملكوت الله, وأنه ليس من هذا العالم, رغم أن عليه أن يجاهد للتنمية فيه. والبتولية فرح لأن في الأنانية حزن بينما في العطاء فرح. وحياة الراهب خلابة, لها تأثير لا يقاوم وهذا عل شرط: أن يعيش الراهب بتولاً, يعطي نفسه بفرح كما أعطى المسيح نفسه من أجل الجميع.

الفصل الثالث
الراهب هو الشاهد الأمين بفقره

1- خطر الغني :
يصرخ الراهب بنذر الفقر: الثراء خطر, وربما يصير لعنة إذا فقدت القيم الروحية وخضع الإنسان لمذهب المادية بموجب النقود التي تسيطر على العلاقات المتبادلة في المجتمع, والمصلحة التي بها تسير الأمور.
ويرجع خطر الثراء إلى أنه يغلق قلب الإنسان في أنانيته ويمنعه أن يفتح قلبه للرب. ويعتبر الثراء من أكبر الموانع التي تعوق دخولنا ملكوت الله لأن به يتوهم الإنسان أن يعيش دون خالقه.
ومن يزور الأديرة ويلتقي بالرهبان يرى أن سكانه عائشين بالفعل في الفقر والبساطة. والفقر الاختياري في واقع اتباع المسيح يقوم على أساس الاكتفاء بالضروري والمفيد والتخلي عن الزائد لصالح المحتاجين..

2- الفقر حرية:
يخضع الإنسان لنفسه أو للآخرين أو للمادة, وأشر الخضوع هو الخضوع للمادة. ونذر الفقر يجعل الإنسان يتأمل في الأشياء المختلفة, لأن عدم التعلق بها يجعله يحكم عليها بحرية الروح.
- خلق الله الإنسان ملكاً على الأشياء لا خاضعاً لها.
- قيمة الإنسان لا فيما يملكه بل فيما هو يكون, صفاته وأخلاقه وإيمانه.
- التنمية الروحية يجب أن تتوازن لا بل يجب أن ترشد التنمية الاقتصادية.

3- الفقر الاختياري يسبق خيرات العالم الآتي:
على نور الكتاب المقدس نرى أن خيرات العالم الآتي هي السعادة ( أش 29: 19 ), والسلام ( أش 11: 6 – 9 )
والمصلحة مع الله و ذاته والبشرية ( رو 8: 19 ).
لقد قال السيد المسيح:" طوبى لكم أيها الفقراء فإن لكم ملكوت الله". ( لو 6: 25 ).
ونحن نرى على مدار التاريخ أن شهوة الامتلاك هي سبب الحروب والظلم والعداوة, بينما الفقر الاختياري هو مصدر السلام والعدل والصداقة مع الله والإنسان, وعلى الكنيسة أن تكون جماعة هؤلاء الفقراء لتصبح الخميرة أي الضمير الحي في عالم يعرض نفسه للخطر بعدم السيطرة على المادة, بل بسيطرة المادة عليه.
نتمنى أن يظهر الراهب الفقير والبسيط كشوكة في جسم العالم, عالم فيه الغني يظلم الفقير, الغني يأكل ويعيش والفقير يجوع ويموت. ويطمع الشاب في أيامنا هذه أكثر من أي وقت مضى إلى البطولة, ويكره دخول الدير الذي فيه يعيش الراهب حياة برجوازية, يملك ويتمتع بكل الوسائل التي يملكها ويتمتع بها العلماني خارج الدير.

4- الفقر السليم أكبر دعاية للدعوات ونشر الملكوت:
نلاحظ عبر تاريخ الكنيسة أن الفقر الاختياري ليس فقط شرطاً لقبوله ملكوت الله, بل أيضاً وسيلة قوية لنشره.  
كان يوحنا المعمدان يعيش فقيراً وكان يقبل إليه الجماهير ليطلبوا منه الإرشادات الضرورية, فيستحق يوحنا أن يكون المؤشر المختار لاقتراب الملكوت ( مرقس 1:6 ) .
ترك  الأنبا أنطونيوس كوكب البرية كل ما كان يملكه وهرب إلى الصحراء, وبعد سنين من التقشف وحياة الزهد, وجد حوله جماهير من التلاميذ الذين يطلبون الراحة والسعادة في الفقر.
اقرأ حياة القديس فرنسيس الأسيزي الذي فتح عصراً جديداً في الكنيسة وفي العالم بندائه إلى الفقر والبساطة والحياة الإنجيلية الطاهرة. وتآمل في حياة القديس منصور, أبي الفقراء.
وتوقف قليلاً في حياة القديس يوحنا بوسكو. وانظر إلى إنجازاته العظيمة وهو لم يكن يملك نقوداً ولا نفوذاً فقد كان فقيراً فقط.


الفصل الرابع
الراهب هو الشاهد الأمين بطاعته

1- مفهوم الحرية السليم:
في أيامنا هذه هناك تيار يشيد بالحرية فيجعلها الأمر المطلق, فيقال إنك حراً فيما تفعله, ولو إرادة الله وحقوق الآخرين, حتى ولو كان ضد التنمية البشرية. وينادي الإنسان بالحرية فإذا نالها يدمر ويبيد ويهلك نفسه.
وهناك أمثلة عديدة من هذا التيار الفاسد:

- الرأسمالية, بموجبها من حق بعض الأفراد المحفوظين أن يغتنوا على حساب أتعاب الآخرين.
- الإجهاض المصمم, بموجبه يقتل إنسان برئ قبل ولدته, وهذا لأن الأنانية تدفع الإنسان إلى أن يتمتع دون أن يتحمل مشقة تربية الأطفال.
- التحدي العنيف والأصولية, بموجبها يقتل القوي الضعيف.
أما المسيحي ومعه كل إنسان ذو عقل سليم ومؤمن بالله يعرف أن الإنسان أغلى من حريته, فالحرية وهبت لخدمة الإنسان, والقوي لخدمة الضعيف, والغني عليه أن يعرف أن الخيرات للجميع, وهي وسيلة للتعاون والإخاء.

2- الراهب بنذر الطاعة يختار الحرية الحقيقية:
الحرية هي القدرة على الاختيار الحقيقي والسليم. والإنسان الحر هو القادر أن يصبح على ما كان عليه في الأصل, وأن يفعل ما يريد منه الخالق. والإنسان يكون حراً عندما يكون قادراً على النضوج وتحقيق الذات حسب كينونته.
نفهم من تاريخ الإنسان أن ذاته هي الحب, فالإنسان خلق ليحب ويحب أما الراهب فيهب ذاته, لمن وهب له ذاته أولاً.
من البديهي أن الله عندما خلق قد أحب, وعندما أحب قد خلق في نفس الفعل. والإنسان لم يحقق ذاته إلا إذا قبل حب خالقه, وجاوبه بحبه له وللأخوة: هذه هي الحرية الحقيقية. هي حب وعطاء وتضحية من أجل الله الموجود في الإخوة. وفي الحب والعطاء والتضحية يجد المكرس تحقيق ذاته.
الراهب يهب حريته لخالقه لكي يصل إلى الحرية الحقيقية

3- الطاعة لله أساس كل دين سماوي:
نعلم من علم اللاهوت أن في الثالوث المقدس الابن هو السميع العظيم تجسد فأصبح كلمة الله ومات لخلاصنا.
والكنيسة هي جسد المسيح أي امتداد المسيح في التاريخ, وهي في الواقع جماعة الذين يطيعون الآب. الراهب هو الذي يخرج عن نطاق الوصايا, ويتطوع بذاته في الطاعة المطلقة للآب ليتشبه بالمسيح المطيع الذي وضع أفكاره وأفعاله وعواطفه حتى جسده أيضاً لخدمة الآب والأخوة وطاعة الراهب تكون أولاً للآب السماوي ولإلهامات الروح القدس, وثانياً لرئيس الدير.

4- مفهوم الطاعة للرؤساء:
الطاعة أولاً وأخيراً للآب السماوي ولإلهامات الروح القدس, ويعبر الراهب عن هذه الطاعة بطاعته لرئيس الدير لأن هذا مطلوب في حياة الشركة. فالراهب يتطوع ليطيع الرئيس..
لأن الرئيس وهو المطيع الأول للآب من واجبه الأساسي أن يشير للراهب عن إرادة الله.
يطلب المجمع الفاتيكاني أن يسود الحوار الأخوي والمستمر بين الرهبان للبحث معاً عن إرادة الله, فالرئيس يقف بجانب الراهب  ويرشده في اكتشاف مواهبه ( أي تخطيط الله في حياته) .
وعلى الرئيس أن يصلي ويأخذ موقف التواضع, والراهب يأخذ موقف النضج والمسؤولية, ويضع الراهب كل مواهبه لخدمة الجماعة والرسالة, فالرئيس مسئول عن تمييز المواهب ويكون هذا دائما بمساعدة الأخوة الرهبان على نور المحبة الأخوية.الرئيس في الدير هو علامة الإتحاد بالروح القدس وعلامة الاتحاد بين الأخوة: على الرئيس.. أن يكون في معاملته محبة الأب السماوي.

5- الطاعة هي دستور الرهبنة:
كتب الآباء القديسون أن دستور الرهبنة هو تفسير الإنجيل في ظروف حياة الراهب الواقعية, ويقال أن الدستور لجدمة الراهب, لا الراهب لخدمة الدستور. فليس الدستور هدفاً لنفسه, لكن هو طريق يقود الراهب إلى قمة الحب نحو الله وهدفه أن يجعل الراهب يعيش طريق القداسة كما عاشها المؤسس الأول. وإذا عمل الراهب بالدستور بحب وإخلاص أصبح في يديه وسيلة قوية الإنجيل الحقيقية.
إن الدستور هو الحارس الأول على المحبة بين الإخوة وتفاهمهم.
الراهب هو آدم جديد يرجع إلى البراءة الأصلية

 


الباب الخامس
بعض المواضيع الهامة
الراهب يكرس حياته ليدفع سفينة الخلاص
إلى جميع الأمم


1- حياة الشركة هي نفسها حياة الثالوث:
الله هو اتحاد, الله هو محبة ( يو 13: 20 ).
إن الحياة الداخلية في الثالوث القدس هي عبارة عن الاتحاد بين الأقانيم الثلاثة لدرجة أن الثلاثة أقانيم هم واحد, لأن المحبة التي  بها الأب يحب الابن هي الروح القدس. فالروح هو العامل الاتحادي في الحياة الإلهية.
وكلما أعطى الإنسان نفسه لمحبة الآخرين ( متزوجاً كان أو راهباً). سوف يعيش على الأرض الحياة الإلهية. والسيد المسيح عندما أسس الكنيسة. أسسها لكي تنشر المحبة في وسط البشر.
وحياة الشركة عند الرهبان هي صورة حقيقية لحياة الكنيسة التي هي بدورها صورة لحياة ملكوت السماوات أو بمعنى آخر تحقيق أرضي للواقع الذي سوف نعيشه في ملكوت السواء.
ولا يهم المكرس بأن يعيش حياة الشركة هذه مع أخوته الرهبان فحسب إنما يعمل لكي يعيش هذه الحياة مع البشر أجمعين حتى يفهم الناس أنهم مدعوين في حياة الشركة في ملكوت السموات. فإننا كلنا نحن البشر مدعوين للعرس السماوي  ( متى 22: 1-13) .
وحياة الراهب هي تشجيع للجميع لكي يبدأوا على الأرض حياة الشركة والمحبة تلك الحياة التي سوف تنفجر في الحياة الأبدية.

2- العفة المكرسة:
من عاش العفة المكرسة على حقيقتها لا يغلق قلبه دون الحب. غنما يعرف الحب من ينبوعه الإلهي ويبتهج به ابتهاجا عميقاً روحياً. إنه لا يحس بأنه على هامش الحياة بل يختبر الاتصال بمن هو ملء الحياة والحب. وكما قال الشاعر:
يا مؤنس الأبرار في خلواتهم                      يا خير من حطت به النزال
                   من ذاق حبك لا يريد زيادة                        أنت الحبيب وما سواك محال
إن المكرسين بالحقيقة بما أنهم انفتحوا إلى الحب الذي لا حد له, فإن حبهم, عوض أن ينحصر في شخص وعائلة, يشمل البشرية جمعاء فيتضرعون من أجلها ويضمدون جراحاتها ويعملون لتقدمتها ونموها.
وهم في ذلك تخلوا عن الممارسة الجنسية, حتى في أسمى أشكالها, لا احتقاراً للجنس بضغط عقد نفسية او نتيجة لكبت نزعة جنسية تخيفهم إنما يتخلون بحرية عن حب يستهويهم وبمقدورهم أن يعيشوه من اجل حب أسمى.

3- تطوير الحياة الرهبانية بما يلائم العصر:
بما أن القاعدة الأسمى للحياة الرهبانية هي إتباع المسيح حسب تعليم الإنجيل, فعلى جميع المؤسسات الرهبانية أن تعتبر هذه القاعدة قانوناً أعلى لها. وعلى المؤسسات الرهبانية أن تتكيف مع أحوال الزمان والمكان وأن توافقها ظروف اليوم وأن تتخلى عن الأعمال التي أصبحت أقل تلاؤماً مع روح العصر حتى يستطيعوا أن يساعدوا الناس بفعالية أكثر.
ومثال ذلك:
خدمة الشعب في عصور الاضطهادات لا نستطيع أن نأخذ بها في عصر العلم.
خدمة الشعب البسيط كالعمال والفلاحين لا نستطيع أن نخدم بها العلماء والفقهاء.
خدمة المؤمنين الذين نشأوا في جو روحي غير خدمة المؤمنين الذين نشأوا في جو يسوده الإلحاد.
إذن فعلى المؤسسات الرهبانية أن تحدث أعضاءها على معرفة تلاؤم الظروف و الأوضاع التي يعيش فيها الإنسان وحاجات الكنيسة ليصبح التبشير بالإنجيل أكثر فعالية لدى جميع الشعوب ولهذا يجب أن يتكيف نظام الحياة والصلاة والعمل تكييفاً ملائماً لأحوال الرهبان الجسدية والنفسية.
ولهذا نجد المجمع المقدس يقدر تقديراً جليلا الحياة الرهبانية العلمانية الجزيلة الفائدة لمهمة الكنيسة الرعوية فهم إما في مجال تثقيف الشباب أو العناية بالمرضى أو في سائر الخدمات الرسولية العديدة.
المجمع يحثهم أن يوفقوا بين حياتهم الذاتية ومقتضيات عالم اليوم..

4- حديث إلى الله (5):
من أقوال توفيق الحكيم:
أنت تعرف يا ربي إنه لم يبق وأنا في آخر أيامي, غيرك.ز وليس غيرك من أحب الحديث معه. وأن يكون آخر ما أكتب هو هذا الحديث, ولكن الحديث معك ليس بيسير . لأنك عليم بكل شيء وما أقوله تعرفه.. وخصوصاً حديثي معك, سيكون بغير كلفة لا أصطنع فيه الأسلوب الرفيع اللائق بارتفاعك. ولا بالوصف العظيم المناسب لعظمتك.
فأنا سأخاطبك مخاطبة الحبيب لحبيبه الحب الذي ليس كمثله حب لأنك أنت ليس كمثلك شيء.
أنا شخصياً رأيت في حديث توفيق الحكيم مع الله حديث حب الراهب مع خالقه.