الرسائل الأخبارية Newsletter

  • Newsletter الرسائل الأخبارية



المقالات

وعد المعاون السالزياني: مفهومه ومعناه

وعد المعاون السالزياني: مفهومه ومعناه

 

1- أسباب الحيرة لدى بعض المعاونين:

ورد في المادة 36/2 من قانون المعاونين: "يتّم الانتساب الرسمي إلى الجمعية بـ"وعد شخصي" يعرب به المعاون عن إرادته بأن يعيش نعمة المعمودية وفقاً لهذا النظام. وفي هذه المناسبة يُعطى المعاون شهادة الانتساب إلى الجمعية". وورد في المادة 39: "يدوم التزام المعاون مدى الحياة"

يشكل الوعد في بعض البلدان (وليس لبنان على ما يبدو، حتى الآن) مشكلة لعدة أسباب ثمة من يقول: "لا استطيع أن التزم بمثل هذا الوعد مدى الحياة". وتقول سيدة: "لا يوافق زوجي على وعدي واعتقد أنع ينبغي لي أن احترم رأيه". ويضيف شخص آخر: "إذا كانت الحياة السالزيانية بسيطة فلماذا نعقدها بوعد؟ هل الوعد من إرادة دون بوسكو؟" وهلم جرا....

أمام هذه التساؤلات والاعتراضات يجدر بنا أن نسعى لإدراك مفهوم الوعد ومعناه. وعد المعاون هو فعل مهم يلتزم به ضميريا وعلنا، أي أمام الله والكنيسة والجمعية والعائلة السالسية، أن يعيش كمعاون سالزياني. تنبع الحيرة (والقلق أحيانا) من كيفية إجراء الوعد في بعض الأماكن، على صوت البوق ودق الطبل، أثناء احتفال حاشد. وقد لا يحب الجميع هذا الاستعراض لأنهم يفضلون التواضع كما يرغبون في أن يبقى الوعد معروفا بين المعاونين فقط أو لدى عدد محدود من الناس. قد يكون هذا المطلب محقّا، وعلى المعاونين أنفسهم أن يختاروا طريقة إجراء الوعد.

أما الذي يعترض قائلاً أنه يتعذر عليه أن يلتزم مدى الحية، فيعبر بدون شك عن تقديره العميق للوعد، ولا أحد يطلب منه أن يتسرع. عليه أن يستمر في التفكير والمشاركة في نشاطات المركز وفي الصلاة الحارة. فإذا دعاه الرب حقا، سيعطيه أيضا القوة الكافية لاحتمال مسؤوليات المعاون احتمالا كاملا، وسوف يحس بحضور ومؤازرة أخوته المعاونين. فالمهم في هذه الحالة  أن يكون معاوناً بالفعل من خلال مشاركة كاملة في حياة المركز وأن يرجئ الوعد على المستقبل، إذا أراد الله أن يكون عضواً رسميا في الجمعية.

شأن هذا الشخص هو شأن السيدة التي تقول: "زوجي لا يوافق". أكيد أن السلام العائلي أمر مهم جداً وغن الوعد لا يهدف بتاتاً إلى خلق الخلاف بين الزوجين... لذلك يمكن القيام بالوعد داخلياً، أمام الله والعيش كمعاون في انتظار أن تتحلحل الأوضاع ويسمح الزوج بانتساب زوجته إلى الجمعية. ويبقى أن دعوة المعاون أهم بكثير من أن يدون الاسم في سجل الجمعية.

أخيراً فإن اعتراض الذي يقول أن الوعد يعقد الأمور والأفضل أن نمشي ببساطة، يدل بدون شك على حسن النية، ولكن لا يدل في الوقت عينه على التعمق في مفهوم الوعد ولا في إدراك قيمة القانون.

 لا يكون القانون ولا حياة المعاون أمراً بسيطا، أي رخيصا وسطحيا. فيؤكد لنا ذلك دون بوسكو نفسه، لأنه هو المؤسس فهو وحده يستطيع أن ينيرنا حول مفهوم وقيمة الوعد.

 

2- الوعد بنظر دون بوسكو:

أ- المرحلة قبل 1876:

علاقة دون بوسكو بمعاونيه (وهم جميع الذين ساعدوه بين 1841 و1859 وهي سنة تأسيس الجمعية السالسية، أي جمعية الرهبان) كانت وثيقة جداً، إن مع شخصه وإن مع مؤسسته أي الأوراتوريو.

لم يفكر دون بوسكو أبدا أن يكون له معاونون لفترة زمنية محددة يشاركونه في رسالته عند الحاجة ثم ينسحبون، يأتون إلى الأوراتوريو ويبتعدون عنه كما يروق لهم، وإنما أرادهم أشخاصاً يشاركونه في موهبته (charisme) الخاصة، كأن الله نفسه أرسلهم إليه لينخرطوا في حركته الرسولية الرامية إلى إنقاذ الشبيبة وحماية الإيمان بين الشعب.

لا يخفي على أحد أن مشروع دون بوسكو الأول كان جريئا، لأنه كان ينوي تأسيس جمعية سالسية واحدة يؤلفها نوعان من الأعضاء: أعضاء ينذرون النذور الرهبانية وأعضاء "منضمون" يعيشون في العالم ويلتزمون نمط حياة أقرب ما يكون على نمط حياة أخوتهم الرهبان. للجميع قانون واحد لأن الهدف واحد وهو السعي إلى القداسة من خلال تكريس الذات في سبيل خلاص الشبيبة.

إليكم ما كتب دون بوسكو في الفصل 16 من مشروع القانون الذي قدمه على الكرسي الرسولي سنة 1864:

1- يمكن لأي شخص، وإن عاش في العالم في بيته ومع عائلته، أن يكون عضوا في جمعيتنا.

2- إنه لا يبرز النذور وإنما يسعى إلى تطبيق ما ورد في هذا القانون وتوافق مع عمره وحالته الخاصة (القيام بأعمال المحبة تجاه الشبيبة والشعب المحتاج).

3- للمشاركة في الثمار الروحية للجمعية، يجب أن يقوم بوعد أمام الرئيس بأن يستعمل أمواله وقواه بحيث تؤول إلى مجد الله الأعظم.

4- لا يلزم الوعد تحت طائلة الخطيئة، حتى العرضية.

يستخلص مما كتب دون بوسكو أن الوعد ما كان يبرز أمام الله كما هي الحال اليوم. كان المهم ولا يزال أبداء الالتزام الشخصي الحر بين أيدي الرئيس: الرهبان من خلال النذور والمعاونون من خلال الوعد.

جاهد دون بوسكو مدة 10 سنوات (1864-1874)للحصول على موافقة الكرسي الرسولي على جمعيته الموحدة في الأعضاء (الرهبان والمعاونون) وفي الرسالة. غير أنه لم فلح في إقناع المسؤولين في روما. ولكن إصراره على تقديم هذا المشروع يدل على أهميته في نظر دون بوسكو.

 

 

ب- قانون سنة 1876:

لم ييأس دون بوسكو أمام رفض روما، ولكن أخذ يفكر بصيغة جديدة وهي تكمن في إعطاء جمعية المعاونين استقلاليتها القانونية مع بقائها "مشاركة" مع الجمعية السالسية. وبين 1874-1875 كتب ثلاثة مشاريع قانون: 1) الأعضاء المشاركون في جمعية القديس فرنسيس السالسي، 2) الاتحاد المسيحي، 3) جمعية الأعمال الصالحة. في ختام المشروع الثاني 1874 وضع دون بوسكو صيغة قبول القانون من قبل المعاون وذلك بتوقيعه للدلالة على تقيّده بالقانون وانتسابه على الجمعية: "أنا الموقع أدناه، قرأت قوانين الجمعية السالسية وانتسب غليها طوعا، من أجل خلاص نفسي (الهدف الأول) ومن أجل مشاركة غيري في تقديم المساعدة الروحية والمادية للقريب وذلك وفقاً لظروف حياتي".

في المشروع الثالث يشدّد دون بوسكو على الالتزام الشخصي، فيبدل صيغة قبول القانون ببطاقة يوقعها المعاون ويرسلها إلى الرئيس العام: "أنا الموقع أدناه، المقيم في... قرأت قوانين الجمعية السالسية وآمل بنعمة الله أن أحفظها بأمانة لخلاص نفسي".

هذه الصيغة عينها وضعها دون بوسكو في المشروع النهائي 1876 وأضاف إليها "بيان قبول" من قبل الرئيس العام وهو بمثابة اعتراف رسمي بالالتزام الذي تقيد به المعاون (= بطاقة الانتساب اليوم).

لأسباب لم توضّح بعد، ألغي ابتداء من 1877 استعمال بطاقة الالتزام الشخصي وبقي بيان القبول، فأدى ذلك تدريجيا إلى تخفيف التزام المعاونين وإلى تشويه صورة المعاون الحقيقية، وهي صورة إنسان ملتزم وحازم في قراراته، مندفع ومتحمس، يعلم تماما أن "ما من احد يضع يده على المحراث ثم يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله" (لو9: 63).

لجميع هذه الأسباب، فإن رتبة الوعد اليوم التي تشبه رتبة إبراز النذور عند الرهبان والراهبات السالزيان تعبر عن إرادة دون بوسكو الأصلية والأكيدة وتشدد على أهمية نضج الذين ينتسبون إلى جمعية المعاونين حتى يقوموا بهذه الخطوة بوعي ومسؤولية.

 

3- لماذا الوعد وما هي التزاماته:

إدراك قيمة الوعد يتوقف على التصور الشخصي لهوية المعاون، فكما كانت الهوية أوضح، كانت قيمة الوعد أعمق ونوعية الانتساب إلى الجمعية أبرز. أما رفض الوعد و التقليل من قيمته فيدلان على سوء تفهم معناه، كما ويدلان على جهل محتويات الفصل الأول من القانون (المادة 1-6).

أ- ليست الجمعية مجموعة من الأشخاص المندفعين ولا جمعية خاصة، إنها جمعية رسمية من المؤمنين، لها اعتراف رسمي من قبل الكنيسة، "يتعاون أعضاؤها تعاونا فعالا في الرسالة السالسية باسم الكنيسة". هي جزء من بنية الكنيسة، بل لها "شخصية قانونية كنسية رسمية" (المادة 6). لذلك لا بد من أن تعرف الكنيسة نفسها والجمعية من هم أعضاؤها وبأي شروط تقيدوا ومتى انتسبوا غليها. كما يجب أن تقام رتبة أو تعطى علامة منظورة للانتساب، حيث يعبر الشخص عن التزامه الحر فيستقبله المسؤول رسمياً. فالانتساب إلى الجمعية إذا حدث كنسي، لا يكمن في الشعور الداخلي ولا في حسن النية، لا من قبل الشخص ولا من قبل المسؤولين.

ب- ليست جمعية المعاونين مؤسسة للخدمة التطوعية الظرفية، حيث يلتزم الشخص لفترة زمنية محدودة ومحددة (مثلا: شهر، سنة أو أكثر في الاوراتوريو أو مخيم صيفي الخ). ولا مجموعة أشخاص يرغبون في مساعدة السالزيان أو أن يكونوا امتدادا خارجيا للرسالة السالزيانية...

هوية المعاون أعمق من ذلك بكثير. فالانتساب إلى الجمعية يعني اعتماد نمط حياة مسيحي يرتكز على إيمان المعمودية وينميه، "مستوحيا مشروع دون بوسكو الرسولي" (المادة 3). اختيار هذا النمط هو قرار حر من قبل المعاون الذي يدرك تماما ميزات دعوته هذه ويتخذها كدرب إنجيلي لتحقيق الذات حتى القداسة (المادة 50). هذا ما يسمى "مشروع حياة" ودعوة المعاون هي "مشروع حياة" (المقدمة 3) كما يصفه القانون ويتجسد بقبول المعاون الحر لمتطلباته وتطبيقه. لجميع هذه الأسباب يدوم التزام المعاون "مدى الحياة" (المادة 39).

ج- الانتساب إلى الجمعية يجعل المعاون ينتسب في الوقت نفسه على العائلة السالسية. يعني ذلك أن المعاون "يحمل الرسالة السالسية المشتركة كما ويحمل المسؤولية المشتركة كي تبقى روح دون بوسكو حية في العالم" (المادة 5). فهذه العائلة الكبيرة يجب أن تعرف من هم أعضاؤها ومتى انتسبوا غليها، لأن التراث السالزياني المشترك بحاجة إلى عمل الجميع ليغتني من خلال تنوع الدعوات والممارسات الرسولية في نطاق الرسالة الواحدة. لكل فرع من فروع العائلة السالسية قانونه الخاص ونظامه ويتم الانتساب إليه من خلال رتبة دينية. شأن جمعية المعاونين في ذلك شأن سائر المجموعات.

د- ماذا يتوجب على الذين قاموا بالوعد؟ يكمن الجواب على هذا السؤال في نص الوعد نفسه (المادة 40).

يتألف نص الوعد من 3 أجزاء:

- الجزء الأول هو فعل شكر لله الآب على عطاياه الماضية وبخاصة على نعمة الدعوة السالزيانية، أي دعوة الأب بإلهام من الروح القدس (راجع المادة2: 1-2، 36: ، 38-1). هذه العطايا هي ثمرة حب الله الآب الرحيم والوعد يعبّر عن مبادلة الحب: "أريد أن أقابل الحب بالحب".

تظهر أهمية الوعد بحيث لا يكون وعداً لله (هذا هو شأن النذور)، بل أمام الله وبشكل صلاة، ويتّم في جو من النعمة والإيمان العميق.

- الجزء الثاني يحتوي على جوهر الوعد، أي الالتزام السالزياني للمستقبل، وهذا ما تعني الجملة عيش "مشروع الجمعية الإنجيلي" في جوانبه الأساسية الأربعة (المفصلة في الفصول 1-2-3-4 للقانون) وهي:

+ الأمانة للمسيح والكنيسة.

+ التعاون مع الله، خاصة في خلاص الشبيبة.

+ عيش الروح السالزيانية وإشعاعها.

+ عيش الشراكة السالزيانية (روح العائلة) والمشاركة في رسالة الكنيسة.

هذه النقاط هي خلاصة مكثفة، واضحة وكاملة للقانون.

- الجزء الثالث هو دعاء إلى الله ليمّد المعاون بالقوة الإلهية ليكون أميناً: فقوة الروح القدس هي أساس أمانة المعاون (المادة2:2)، كما ورد في الآية الكتابية الموجودة قبل صيغة الوعد:

"في طريق وصاياك اركض             لأنك تشرح قلبي" (مزمور119: 32).

ثم يأتي الدعاء إلى مريم أم الكنيسة والشفيعة الأولى للجمعية والعائلة السالسية. ومع مريم يتشفع في المعاون القديسون الآخرون، شفعاء الجمعية (المادة35) ويتشجع المعاون بمؤازرة أخوته وأخواته في الجمعية (المادة 39: 1).

من أهم واجبات المعاون أن يتأمل باستمرار في مضمون الوعد وأن يجدده مراراً ليتذكّر التزاماته ويطبّقها، كما ويجدر بأن يحتفل بذكراه السنوية.

 

4- احترام الضمير الشخصي والثقة بالنمو في النضج:

"التزام المعاون يكون هبة وخياراً حراً في آن واحد" (المادة 2:2). "يتطلب التزام المعاون خياراً حراً، له مايبرره، ينضج تدريجياً تحت فعل الروح القدس" (المادة 36: 1).

لذلك لا بد من احترام الحرية الشخصية بصورة كاملة، كما ويجب تجنّب أي نوع من الضغط من قبل أي شخص ليقرر المعاون نفسه هل يستطيع أن يتحمل هذا الالتزام الشامل الخطير.

لا شك أن الإدراك بالدعوة والتمثل بها بحاجة إلى وقت كاف لبلوغ درجة النضج المطلوبة، لذلك "من يريد أن يتقبل في الجمعية، يرضى ببرنامج تنشئة ملائم، يدوم كل الوقت اللازم ليتمكن من تقييم صحة دعوته..." (المادة36: 1).

لا حاجة إلى التسرع في القيام بالوعد، فالتحضير والتنشئة أهم من الوعد الرسمي.

يبقى أن ثمة أشخاص يتحيرون أمام الوعد أو يخشون على أمانتهم له مدى الحياة. في هذه الحال وفي جميع الأحوال يجب احترام هذه الحيرة والخشية. من المفضّل أن يكون هؤلاء معاونين "بالفعل" وأن يشاركوا في جميع نشاطات المركز الذي ينتسبون إليه بدون أن يكونوا أعضاء "رسميين" في الجمعية.

لعل أوضاعهم الشخصية تتغير مع مرور الوقت، وإن لم تتغير فليس الوعد شرطاً مطلقاً ليعمل أحد بروح سالزيانية حقيقية في مجموعته وفي بيئته الاجتماعية. لا ننس أن في بيت الله... وفي بيت دون بوسكو أيضا، منازل كثيرة.

(عن جوزيف اوبري في نشرة المعاونين، كانون الثاني 1994، ص5-8، بتصرف)

الأب فيكتور بوتسو